خاص / شهاب
تشهد "إسرائيل" واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخها الداخلي، مع توالي ثلاث قضايا هزّت أركانها خلال أسابيع قليلة: فضيحة المدعية العامة العسكرية، وفضيحة الفساد في نقابة الهستدروت، وأزمة التجنيد ومظاهرة المليون.
ورغم أن هذه الملفات تبدو منفصلة في ظاهرها، إلا أن خيطًا واحدًا يجمعها جميعًا: تآكل الثقة داخل مؤسسات الاحتلال وعمق التصدّع الذي يضرب حكومته بقيادة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو.
في مشهد غير مألوف داخل الجيش الإسرائيلي، اختفت المدعية العامة العسكرية يفعات تومر يروشالمي لساعات طويلة قبل العثور عليها، وسط تضارب في التصريحات وتكتم رسمي أثار موجة من التكهنات.
القضية، رغم انتهاء فصولها بسرعة، كشفت حالة من الارتباك المؤسسي وانعدام الانضباط داخل الجيش الذي لطالما قدّم نفسه كأكثر مؤسسات الدولة تماسكا.
ويرى محللون إسرائيليون أن الحادثة وجهت ضربة قوية لهيبة المؤسسة العسكرية في ظل الحرب، مشيرين إلى أن غياب الشفافية والارتباك في التعامل مع الواقعة يعكسان أزمة أعمق في صفوف القيادات، خاصة مع تصاعد الخلافات بين الأذرع العسكرية والقضائية.
ويضيف خبراء في الشأن الأمني أن الفضيحة أظهرت هشاشة الانضباط الداخلي وتراجع ثقة الجنود بقيادتهم العليا، في وقت تتزايد فيه الضغوط على وزير الحرب يوآف غالنت، الذي يواجه انتقادات حادة حول فشل القيادة العسكرية في إدارة الحرب.
فضيحة فساد كبرى
لم تهدأ عاصفة الجيش حتى انفجرت قضية فساد كبرى داخل نقابة الهستدروت، أقدم الاتحادات العمالية في إسرائيل، بعد اعتقال رئيسها أرنون بار دافيد وزوجته وعدد من كبار المسؤولين بتهم تتعلق بالرشوة وسوء استخدام السلطة.
ويؤكد مراقبون للشأن الإسرائيلي أن الهستدروت، التي كانت تمثل تاريخيًا "القلب الاجتماعي" للدولة العبرية، تحوّلت إلى مرآة لتآكل القيم الأخلاقية داخل البنية المدنية التي طالما شكّلت قاعدة الاستقرار الداخلي.
وكشفت التحقيقات عن شبكة معقدة من المصالح بين النقابة ورؤساء بلديات ومسؤولين حكوميين، ما أعاد إلى الواجهة أسئلة حول مدى تورط الطبقة السياسية، ومدى قدرة الحكومة على مواجهة الفساد وهي نفسها غارقة فيه.
ويرى خبراء اقتصاديون واجتماعيون أن هذه الفضيحة لم تعد بالنسبة للجمهور الإسرائيلي مجرد انحراف فردي، بل دليلاً على انهيار الثقة بالمنظومة الاجتماعية التي تربط المواطن بالدولة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية، وتُعمّق الحرب الانقسام الطبقي بين من يعيشون في رفاهية وبين آلاف النازحين والجنود في الجبهات.
من ناحية آخري احتدمت أزمة مشروع قانون التجنيد الإلزامي لليهود الحريديم (المتدينين) و فجّرت أكبر احتجاجات منذ بداية الحرب، حيث خرج مئات الآلاف في ما عُرف بـ"مظاهرة المليون"، رفضًا لسياسات حكومة نتنياهو التي تمنح المتدينين إعفاءً من الخدمة العسكرية.
ويشير محللون سياسيون إلى أن المظاهرة لم تكن مجرد تعبير عن رفض قانون، بل صرخة غضب ضد سياسات نتنياهو الذي يعتمد على الأحزاب الدينية للبقاء في السلطة.
وتحوّلت الأزمة إلى مواجهة مفتوحة بين معسكرين: العلمانيون الذين يرون في الحرب عبئًا غير متكافئ، والمتدينون الذين يتمسكون بامتيازاتهم الدينية والسياسية.
ويحذر معلقون إسرائيليون من أن هذا الانقسام بلغ مستوى غير مسبوق، حتى إن بعضهم يصفه بأنه أخطر على وحدة إسرائيل من أي تهديد خارجي.
أزمة داخلية أعمق من الحرب
ما يجمع الأزمات الثلاث الأخيرة في إسرائيل ليس فقط تزامنها الزمني، بل ما تعكسه من تغيّر عميق في المزاج العام وتآكل ما ييسمى مزاجا بمنظومة القيم التي قامت عليها دولة الاحتلال.
فالمجتمع الإسرائيلي، الذي طالما تباهى بتماسكه في أوقات الأزمات، يبدو اليوم غارقًا في انعدام الثقة، ومتخمًا بالشكوك تجاه قياداته ومؤسساته، حتى تلك التي كانت تُقدّس في الوعي الجمعي كرموز للوحدة والقوة.
ويقول خبراء في علم الاجتماع السياسي إن التحولات الجارية لا تبدو عابرة، بل تعبّر عن انهيار في العقد الضمني بين الحاكم والمحكوم، حيث يشعر الإسرائيليون بأن مؤسساتهم لم تعد تمثلهم ولا تدافع عنهم، وأن السلطة السياسية تحوّلت إلى درع لحماية مصالح النخبة.
فكل قضية — عسكرية أو مدنية أو اجتماعية — باتت تُترجم سريعًا إلى سؤال واحد يتردّد في الشارع: من يحاسب من؟
تفكك من الداخل
تحت سطح الأحداث، تتشكل صورة كيان يتآكل من أطرافه: الجيش الذي فقد هالته كقوة منضبطة، والنقابات التي تحوّلت إلى أدوات نفوذ وفساد ، والمجتمع المنقسم بين فئات دينية وعلمانية لا يجمعها سوى الخوف من المستقبل.
ويؤكد مراقبون سياسيون أن هذه التشققات تتسع يومًا بعد آخر، وتكشف أن إسرائيل لا تواجه أزمة إدارة، بل أزمة هوية وشرعية في آنٍ واحد.
وفي قلب هذا المشهد، يقف رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو محاطًا بعواصف سياسية واجتماعية متداخلة، يحاول إدارتها عبر الخطاب الأمني وتصدير الخطر الخارجي كبديل عن الاعتراف بالأزمة الداخلية.
لكن بحسب محللين إسرائيليين، فإن هذا التكتيك يفقد فعاليته تدريجيًا، مع تزايد الأصوات داخل المجتمع التي ترى أن الحرب لم تعد مخرجًا، بل أصبحت غطاءً للفشل والفساد.
تصدّع بنيوي
ويقول خبراء في الشأن الإسرائيلي إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تراكم فضائح أو صدامات متفرقة، بل تصدّع بنيوي يعيد تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة.
فالإسرائيلي الذي كان يرى في جيشه ملاذًا، وفي مؤسساته ضمانة، يجد نفسه أمام واقع جديد: دولة تحارب في الخارج وتتفكك في الداخل.
ومع كل أزمة جديدة، تتراجع فكرة "الوحدة القومية" لصالح منطق البقاء الفردي، وتتحول إسرائيل من مشروع جماعي إلى مجموعة مصالح تتنازع على البقاء وسط فوضى سياسية وأخلاقية غير مسبوقة.
ويرى مراقبون سياسيون أن ما تعيشه إسرائيل اليوم هو تحوّل هيكلي يضرب جوهر النظام السياسي الذي أقامه نتنياهو خلال عقدين، حيث بدأت شبكة الولاءات التي صاغها بين الأحزاب والنخب تتفكك، بعدما باتت كل جهة تحاول النجاة بنفسها وسط انعدام الثقة والانكشاف المتزايد لمواطن الفشل.
ويؤكد محللون اجتماعيون أن هذا التآكل لم يعد مقتصرًا على مؤسسات الدولة، بل طال الوعي الجمعي للإسرائيليين أنفسهم، الذين باتوا يتعاملون مع دولتهم ككيان فقد قدرته على الحماية والتنظيم.
فالجيش لم يعد عنوانًا للقوة، والقيادة لم تعد مرجعًا أخلاقيًا، والنقابات لم تعد تمثل صوت المجتمع.
ومع تراجع الإجماع الداخلي، تبدو إسرائيل أمام مرحلة جديدة يتقدّم فيها منطق البقاء السياسي على منطق الدولة، حيث تسعى كل مؤسسة وكل زعيم إلى تثبيت وجوده ولو على حساب وحدة الكيان.
إنها مرحلة تعيد تشكيل إسرائيل من الداخل — بوصفها كيان مأزوم يحاول لملمة شظاياه بعد أن انكشفت هشاشته أمام نفسه أولًا، قبل أن تنكشف أمام العالم.
ويرى محللون سياسيون أن الأزمات التي تضرب إسرائيل اليوم ليست مجرد تداعيات جانبية لحرب طويلة، بل علامات على انهيار الثقة التي شكّلت الأساس النفسي والسياسي لوجود الدولة.
فعلى مدى عقود، قامت إسرائيل على فكرة التفوق العسكري والانضباط المؤسسي والتماسك الاجتماعي، لكنها تدخل الآن مرحلة تتآكل فيها هذه الركائز واحدة تلو الأخرى، لتواجه سؤالًا وجوديًا جديدًا: هل يمكن لدولة أن تخوض حربًا في الخارج فيما جبهتها الداخلية تنهار؟
رحلة التحلل البطيء
تؤكد أصوات إسرائيلية من داخل المجتمع ذاته أن البلاد تعيش حالة إنهاك روحي وسياسي غير مسبوقة.
فبعد عام من الحرب المستمرة، لم يعد الحديث عن "التهديد الخارجي" قادرًا على توحيد الإسرائيليين ، الانقسام السياسي، والفضائح التي عصفت بالنخبة، وانفلات الخطاب الداخلي من الضوابط، كلها مؤشرات على أن إسرائيل تعيش لحظة ما بعد الإجماع، حيث تتفكك الرموز التي منحتها تماسكها لعقود طويلة.
وفي هذه الأجواء، يواجه رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو أكبر اختبار في مسيرته السياسية، ليس فقط في قدرته على إدارة الحرب، بل في محاولته إنقاذ صورة الدولة من الداخل.
فكل أزمة جديدة تُضعف قبضته أكثر، وتكشف حدود سلطته أمام مجتمع فقد الثقة في قياداته، بينما يواجه ضغوطًا دولية غير مسبوقة، وعزلة سياسية تتزايد مع كل يوم من الحرب.
ويجمع محللون ومراقبون على أن إسرائيل اليوم لا تخوض معركة على جبهة غزة فقط، بل تخوض معركة على هويتها الموعومة وشرعيتها المارقة ..
فحين تفقد الدول ثقة شعوبها، وتتحول مؤسساتها إلى ساحات صراع داخلي، تصبح كل الحروب الخارجية مجرد واجهة لقلق أعمق — قلق من الذات ومن المستقبل.
وبينما تترنح حكومة نتنياهو في مواجهة الفضائح والانقسامات، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف ستنهي إسرائيل حربها؟
بل: هل ستخرج منها كما كانت؟ أم أنها بدأت رحلة التحلل البطيء من الداخل؟