قلم / د. غسان مصطفى الشامي
لقد شكّل قطاع غزة، ذاك الشريط الساحلي الصغير، لعنةً تطارد الكيان الإسرائيلي المحتل منذ أكثر من سبعين عامًا، وليس منذ السنوات القريبة، بل منذ نكبة فلسطين. وغزة تمثل العقبة الكأداء أمام الكيان الإسرائيلي، لما تمثله من أهمية استراتيجية كبرى على كافة المستويات لأرض فلسطين، ولِما تتميز به من صفات وخصائص جغرافية منحتها هذه الأهمية الاستراتيجية والعمق التاريخي للدفاع عن أرض فلسطين من المخاطر والحروب، وحتى المؤامرات والدسائس.
ودومًا، كانت غزة مدينة المعارك والملاحم والحروب. كيف لا، وهي عبر التاريخ أسقطت في وحلها الرومان والإغريق والتتار والفرنسيين والبريطانيين والصهاينة، منذ فجر احتلال أرض فلسطين المباركة؟
إن استراتيجية غزة وموقعها الجغرافي المتميز جعلا منها الدرع الحصين لحماية فلسطين من أي احتلال أو حروب أو مخاطر، فإن موقعها الجيوسياسي منحها هذه الأهمية، إذ تربط فلسطين بالقارات العالمية الكبرى المسيطرة على العالم الحديث. فغزة تمثل بوابة فلسطين إلى القارة السوداء (إفريقيا)، وجسر العبور البحري إلى القارة الإفريقية العجوز. وهي تمثل أهمية كبرى في الملاحم والمعارك، ولا يمكن أن تهدأ منذ قديم الزمان، بل هي أشبه بأمواجٍ متلاطمة يصعب ترويضها أو حكم أهلها من قِبَل أي محتل خارجي.
حتى صفات أهلها في القتال ربما تميزهم عن غيرهم من الجيران العرب وأهل فلسطين أنفسهم.
ومنذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، لم يكن ما حدث مجرد واقعة عابرة في تاريخ حروب إسرائيل وصراعها الدموي مع الشعب الفلسطيني، بل مثّل حدثًا كبيرًا وهامًا تحدّث عنه الكتّاب والمؤرخون اليهود ونظروا إليه بعمق ودقة.
فقد كتب الباحث والمؤرخ الصهيوني إيلان كفير كتابًا حمل عنوان "سقوط فرقة غزة"، تحدث فيه عن تفاصيل ذلك السبت اللعين، أو السبت الأسود على الكيان الصهيوني، واعتبره من أشد اللحظات وأطولها في تاريخ حروب وصراعات إسرائيل مع العرب، وعلامة فارقة في تاريخ الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني–العربي.
حيث قال (إيلان كفير) في كتابه "سقوط فرقة غزة":"لم يتخيل أحد أنه في تلك الدقائق تحديدًا، إلى الموجة الآتية من السماء، ستنضم موجة بشرية؛ آلاف من العناصر المسلحين يقتربون بسرعة من الحاجز الذي يفصل بين الغلاف والأحياء الشرقية لغزة، على متن (تندرات) ودراجات نارية، يهللون (الله أكبر)، وعازمون على الوصول إلى الأهداف الموزعة لهم في التوجيه الأخير، تمامًا قبل الانطلاق للقتال..."
ويواصل كفير كلامه قائلًا: "من صاغ تعبير (ليخ لعزا) – باللغة العبرية – لم يكن يقصد شيئًا حسنًا… اذهب إلى الجحيم، اذهب إلى غزة. كان ذلك لعنًا، فلا توجد بقعة أكثر ملعونة من هذا الشريط الضيق الذي لا يريده أحد في العالم، لا هو ولا ملايين سكانه... حتى السادات، الذي طالب باسترداد سيناء من المحتل الإسرائيلي في مؤتمر كامب ديفيد، فضّل أن يبقى قطاع غزة كما هو. فيما واجه رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن ضغوطات كبيرة من الجناح اليميني في حزبه بخصوص آلية التعامل مع غزة ضمن اتفاقية السلام المزعومة."
إن التاريخ الطويل لإسرائيل مع غزة لا يقل عن 75 عامًا. بين إسرائيل وقطاع غزة تاريخ ملطخ بالدم؛ فغزة كانت دائمًا حاضرة، متطرفة أيديولوجيًا ومحاربة، تقود المقاومة الفلسطينية وتجرّ وراءها أيضًا سكان الضفة الغربية.
إلى الملتقى.