تقرير – شهاب
في المدينة المحاصرة، لم يمضِ الكثير على صمت المدافع والطائرات حتى جاء الشتاء ليُذكّر الناجين بأن حربًا أخرى قد بدأت، حربٌ بلا نارٍ ولا دخان، لكنها أكثر صقيعًا ووقعًا على أجساد منهكة وقلوب أثقلتْها عامان من الإبادة والحصار والدمار.
فمع دخول المنخفض الجوي الأول لقطاع غزة، وجد نحو مليون ونصف المليون نازح أنفسهم عالقين داخل خيام مهترئة تغرقها الأمطار وتقتلعها الرياح، لتكون شاهدًا حيًا على عمق الكارثة التي تتسع يومًا بعد يوم.
فالشتاء الذي كان يومًا فصلًا عابرًا، صار في غزة موسمًا للأوجاع، تتكسر فيه الخيام، وتتحول المخيمات إلى مستنقعات طينية، وينهار ما تبقى من البيوت المتصدّعة بفعل الحرب التي خلّفت 69 ألف شهيد وأكثر من 170 ألف جريح، ودمّرت ما نسبته 90% من البنى التحتية.
ورغم سريان وقف إطلاق النار، فإن غزة تعيش شتاء يضاعف جراح عامين من الحرب، حيث يقف النازحون بين سماء تمطر، وأرض من الطين والركام، وحدود مغلقة تمنع عنهم أبسط مقومات البقاء والحياة.
وبينما تتسع الكارثة مع كل منخفض جديد ومع كل تساقط خفيف للأمطار، تبقى المساعدات عالقة، والخيام منهارة، والناجون في مواجهة فصل كامل يبدو أكثر قسوة من الحرب نفسها.
ويعيش النازحون في غزة واقعًا مأساويًا بسبب انعدام مقومات الحياة، وصعوبة الوصول إلى المستلزمات الأساسية، ونقص الخدمات الحيوية، في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع.
93% من الخيام غير صالحة للسكن
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، قال إن معاناة النازحين تتفاقم بشكل خطير مع اشتداد الأحوال الجوية، مشيرًا إلى أن 93% من الخيام لم تعد صالحة للعيش، بواقع 125 ألف خيمة تالفة من أصل 135 ألفًا.
وتعرضت عشرات آلاف الخيام لأضرار واسعة بسبب القصف أو التدمير الجزئي أو عوامل الطبيعة، ما جعل مئات آلاف الأسر أمام مأوى لا يصدّ مطرًا ولا بردًا.
وبيّن المكتب أن النازحين يعيشون واقعًا مأساويًا في ظل انعدام مقومات الحياة الأساسية، وصعوبة الوصول إلى الغذاء والوقود والخدمات الصحية والمياه النظيفة.
ومن جانبه، قال الناطق باسم جهاز الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، إن آلاف الخيام تضررت بشكل كبير، وإن ملابس وأغطية المواطنين تبللت نتيجة دخول المياه للخيام التي لا يوجد أي بدائل عنها، وسط انعدام مقومات الحياة أو السلامة والظروف القاسية جداً التي يعيشها السكان نتيجة الواقع الذي تركته حرب الإبادة على غزة.
وأوضح بصل، أن الجهاز لا يمكنه التعامل مع حالات الغرق التي تجري بسبب عدم توفر المعدات اللازمة، بعد أن دمّر الاحتلال كافة معدات التعامل مع المنخفضات.
وأضاف أن الدفاع المدني قادر فقط على نقل المواطنين وإزالة الخطر، بينما تبقى القدرة على التعامل مع حجم الكارثة شبه معدومة، مشيراً إلى أن المنظومة الخدماتية والبلديات تعاني أيضاً، والخدمات المتوفرة لا ترتقي لحاجة ومعاناة المواطنين وهي بدائية.
ولفت إلى أن هذا المنخفض هو البداية لفصل كامل يشهد تساقط أمطار ومنخفضات ستجلب مآسي كبيرة للمواطنين، إضافة إلى خطر المنازل الآيلة للسقوط والتي ستنهار بشكل مؤكد في الشتاء نتيجة السيول أو دخول المياه إلى عمقها وهي متضررة ومتصدعة.
كما قالت بلدية غزة، إن معاناة سكان القطاع تتفاقم نتيجة المنخفض الجوي الحالي، مشيرة إلى أن الوضع كارثي بسبب تدمير شبكات تصريف الأمطار، ما تسبب بطفح المياه العادمة داخل المنازل ومراكز الإيواء.
وأوضحت البلدية، أن المياه العادمة والنفايات تجتاح المناطق المتضررة، مطالبة بتدخل دولي عاجل لمعالجة الوضع.
وأشارت إلى أن لديها مخططات لمكافحة آثار المنخفضات الجوية ومساعدة المواطنين، لكنها تفتقر إلى المعدات اللازمة لتنفيذها، مشددةً على حاجة القطاع الماسة لمساكن مؤقتة وخيام ومواد البناء والوقود لدعم السكان المتضررين.
عراقيل الاحتلال لإدخال المساعدات
وقالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، إن الأمطار تزيد صعوبة الأوضاع في قطاع غزة، موضحةً أن العائلات تلجأ إلى أي مكان متاح، بما في ذلك الخيام المؤقتة.
وأكدت أن الحاجة ماسة إلى إمدادات المأوى في غزة، وهي متوفرة لديها، داعية إلى السماح لها بتقديمها للسكان.
ومن جانبه، قال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إن السلطات "الإسرائيلية" لم تسهّل حتى الآن إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، حيث رفضت دخول نحو 4 آلاف منصة من الإمدادات الأساسية منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وأوضح دوجاريك، أن هذه المنصات تشمل خيامًا، وأطقم أسرّة، وأدوات طبخ، وبطانيات، مشيرًا إلى أن المنظمات الدولية العاملة في المنطقة تواجه صعوبات كبيرة في إيصال المواد المتوفرة لديها إلى المدنيين في القطاع.
من جهته، قال ينس لاركيه، المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إن الوضع الإنساني في غزة لا يزال كارثيًا، مع استمرار العراقيل التي تفرضها "إسرائيل" على وصول المساعدات، رغم مرور أكثر من شهر على سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
وأضاف لاركيه: "التقدم بطيء جدًا، والعراقيل ما زالت كثيرة. الوضع يشبه الركض في الرمال، لأننا نرغب في التحرك بسرعة أكبر مما تسمح به القيود الإسرائيلية".
كما أشار إلى أن عدد الشاحنات التي تدخل غزة لا يعكس حجم المساعدات الفعلية، مؤكّدًا أن وقف إطلاق النار لم ينهي الكارثة الإنسانية، وأن ما تحتاجه غزة هو تدفق مستمر وآمن للمساعدات دون قيود سياسية أو أمنية ليتمكن المدنيون من البقاء على قيد الحياة بكرامة.
الحصار يفاقم الكارثة
حذّرت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" من كارثة إنسانية متفجرة يعيشها مئات آلاف النازحين في قطاع غزة، بعد أن حول المنخفض الجوي المخيمات إلى مستنقعات من الوحل، وأغرق خيامًا واهية لم تعد تحتمل المطر ولا البرد.
وأكدت الحركة، أن مشاهد انهيار الخيام وغرق الأغطية وتشرّد آلاف الأسر في العراء تعكس الواقع القاسي الذي يفرضه الحصار، مشيرًا إلى أن آلاف العائلات وجدت نفسها بلا مأوى يحميها من برد الشتاء، في ظل غياب أبسط مقومات الحياة.
وقالت الحركة إن استمرار الاحتلال في منع دخول المساعدات الإغاثية والخيام والكرفانات يزيد الوضع اشتعالًا، ويضع حياة الأطفال والنساء وكبار السن في دائرة الخطر المباشر.
وطالبت حركة حماس الضامنين للاتفاق، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، إلى تحرك عاجل وواسع لإيصال الإمدادات الإنسانية والطبية والإيوائية إلى غزة فورًا، ورفع مستوى الدعم الميداني والشعبي والرسمي، بما يضمن حماية النازحين ويمنحهم الحد الأدنى من مقومات الصمود.
كما أكدت على أن ما يجري في غزة هو مشهد كارثي صنعه الاحتلال الصهيوني المجرم، وأن أي تأخير في التدخل الدولي سيؤدي إلى تفاقم المأساة ودخولها مرحلة أكثر خطورة.
ويذكر أن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أنهى حربًا استمرت لنحو عامين، خلفت أكثر من 69 ألف شهيد فلسطيني، وأكثر من 170 ألف جريح، ودمارًا هائلاً طال نحو 90% من البنى التحتية المدنية، بخسائر أولية قدرت بنحو 70 مليار دولار.