وقوف الحرب لا يعنى النجاة إذ تتصاعد موجات المعاناة الحياتية للسكان بشكل يومي ومتراكم ، واحدة من اوجه مفاقمة الخطر في قطاع غزة الألغام والذخائر غير المنفجرة التي خلفتها جيش الاحتلال بقصد او بدون قصد تحت الأنقاض وداخل البيوت والطرقات والشوارع والاحياء المكتظة بالسكان.
مما يضع سكان غزة في تهديد يومي وسط دمار واسع وركام يخبئ كميات كبيرة من مخلفات الحرب ، تقدّرها خدمة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) أن ما بين 5% و10% من الذخائر التي أُطلقت خلال الحرب فشلت في الانفجار، ما يترك آلاف المتفجرات داخل أنقاض غزة معرضة للانفجار في أي لحظة، ربما دون الاقتراب منها.
حياة ملغومة
ولا يخفى على أحد أن شوارع غزة وأراضيها الزراعية والمناطق المفتوحة لا تزال ملوثة بالذخائر، ما يجعل كل نشاط يومي محفوفًا بالمخاطر؛ فعلى سبيل المثال، ينقل الأطفال عند اللعب، ويحاول السكان تنظيف البيوت والسكن فيها، وإزالة الركام من المنازل بهدف البحث عن جثامين الشهداء أو المقتنيات الشخصية للعائلات، في ظل شح كل شيء من أدوات وملابس.
خاصة وأن الخرائط الميدانية تظهر أن هذه المخلفات شملت أحياء سكنية ومناطق حيوية، ما يعيق الحركة اليومية ويحد من النشاط الاقتصادي والاجتماعي للسكان. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى وقوع 328 ضحية، بين شهيد وجريح، منذ أكتوبر 2023 نتيجة انفجار مخلفات الحرب، فيما أفادت منظمة Humanity & Inclusion بأن أكثر من 53 شخصًا استشهدوا، إضافة إلى مئات الجرحى من المدنيين الذين عادوا إلى منازلهم أو حاولوا إزالة الركام بأنفسهم.
ووفق تقرير OCHA لعام 2025، تم تسجيل 21 حادثة متفجرات غير منفجرة منذ بداية العام، أدّت إلى 6 وفيات و85 إصابة بينهم أطفال. كما تم تقييم 486 موقعًا محتملاً للخطر من قبل فرق "أعمال متعلقة بالألغام"، وبُعد جزء منها على أنه منخفض الخطر بعد الفحص، لكنها لا تزال عائقًا أمام إعادة الإعمار والتوسع الإنساني.
تهديدًا بالغ الخطورة
حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن الذخائر غير المنفجرة تمثل تهديدًا بالغ الخطورة على حياة المدنيين، داعيًا إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من المخاطر وتأمين الرعاية الطبية للمتضررين. وأفاد المكتب بأن نحو 16 ألفًا و500 شخص بحاجة إلى تلقي رعاية طبية خارج القطاع نتيجة إصابات أو تهديدات مباشرة من هذه المخاطر، التي تنتشر في مناطق متعددة عقب التصعيد العسكري الأخير.
وأكدت الأمم المتحدة أن هذه المخاطر تجعل التحرك الآمن داخل القطاع صعبًا للغاية، خصوصًا للأطفال والنساء وكبار السن، الذين يشكلون الفئات الأكثر عرضة للأذى، كما تعيق عمليات الإغاثة والوصول إلى المناطق المتضررة.
وتشير تقديرات حديثة نشرتها مجلة إيكونومست البريطانية إلى أن قطاع غزة قد يحتوي على أكثر من 7 آلاف طن من القنابل غير المنفجرة، منتشرة في نحو 40% من الأحياء السكنية، مع تركيز أكبر في مناطق بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا. كما حذرت المجلة من أن بعض هذه الذخائر مزودة بآليات تفجير مؤجل، ما يجعلها خطرة بشكل خاص تحت الركام وفي باطن الأرض، مشيرة إلى أن إزالة جميع المخلفات قد تستغرق 20 إلى 30 سنة إذا لم يكن هناك تدخل دولي واسع ومجهز هندسيًا.
طويل الأمد
حذر نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة، فرحان حق، من أن الذخائر غير المنفجرة تشكّل تهديدًا كبيرًا لسكان غزة الذين يعودون إلى مناطقهم، خاصة بعد إعادة بعض النازحين.
في حين يشير خبراء من Humanity & Inclusion إلى أن تطهير غزة بالكامل من المخلفات المتفجرة قد يستغرق بين 20 و30 عامًا بسبب حجم الدمار ووجود آلاف القذائف غير المنفجرة، بعضها مدفون تحت الأنقاض أو داخل المنازل المدمرة.
تواجه فرق إزالة الألغام في غزة سلسلة من التحديات المعقدة التي تجعل مهمتها واحدة من أصعب العمليات الإنسانية في العالم، إذ يقف العاملون أمام صعوبة إدخال المعدات المتخصصة للكشف عن المتفجرات والتعامل معها بسبب القيود المفروضة على دخول المواد والأجهزة إلى القطاع. كما تتسم المناطق المستهدفة بعدم الاستقرار الشديد، حيث تنتشر الحفر والركام والمباني المدمرة، ما يزيد من صعوبة الوصول إلى مواقع الذخائر بأمان.
ولا يقتصر الخطر على الأماكن المهجورة، بل يمتد إلى المناطق السكنية المكتظة، بما في ذلك المدارس والمستشفيات، ما يعرض المدنيين لخطر دائم ويجعل أي تحرك خاطئ قد ينتهي بكارثة. وأكدت UNMAS أن إزالة الألغام ليست مسألة أمنية فحسب، بل جزء أساسي من إعادة بناء البنية التحتية الحيوية في القطاع، مثل المستشفيات والمحطات الكهربائية، وضمان عودة المدنيين إلى حياتهم الطبيعية.
تتجاوز المخاطر الإصابات المباشرة، إذ تمنع عودة النازحين بأمان، وتعرّض الأطفال لخطر مستمر عند اللعب أو التنقل قرب الركام. كما تعيق المتفجرات عمليات إعادة الإعمار، إذ أي إزالة للأنقاض قد تؤدي إلى انفجار ذخائر غير مستقرة. كما تؤثر هذه المخلفات على المناخ المحلي والتربة الزراعية، ما يقلص إنتاج المزارعين ويهدد الأمن الغذائي للسكان.
ويضيف الحصار المفروض على غزة عقبة إضافية، إذ يمنع دخول المعدات والخبراء المتخصصين للتعامل مع هذه المخلفات، ما يجعل الحاجة إلى دعم دولي عاجل ضرورية لتأمين بيئة أكثر أمانًا للسكان الذين يحاولون إعادة بناء حياتهم وسط دمار واسع.
يذكر أن الألغام والذخائر غير المنفجرة لم تعد مجرد بقايا حرب، بل تحولت إلى تهديد دائم ومستمر لحياة المدنيين في غزة. ومع استمرار عودة السكان إلى المناطق المتضررة، يظل العمل الدولي الشامل لإزالة المتفجرات وتأمين البنية التحتية وإعادة الإعمار أمرًا ضروريًا لضمان حياة أكثر أمانًا ومستقبلًا أفضل لأهالي القطاع.