تقرير / شهاب
يعيش الفلسطينيون فى الضفة الغربية تحت وطأة عنف استيطاني متصاعد يطال حياتهم اليومية وأمنهم الشخصي، ولم يعد هذا العنف مجرد حوادث معزولة، بل تحول إلى أداة مباشرة لتهجيرهم القسري من أراضيهم ومنازلهم.
يوضح تقرير حقوقي حديث صادر عن مركز "بتسيلم" أن حكومة الاحتلال تستغل هذا العنف ضمن استراتيجية واسعة للسيطرة على الأراضي، من خلال دعم البؤر الاستيطانية وتشجيع المستوطنين على الهجمات المتكررة على التجمعات الفلسطينية.
هذا العنف، الذي يشمل الهجمات بالأسلحة النارية والبيضاء والمواد المشتعلة، لا يقتصر على الضرر المادي فحسب، بل يمتد ليشمل التأثير النفسي العميق على الأسر الفلسطينية، حيث يعيش الأطفال في خوف دائم، وتهدم حياة العائلات بشكل تدريجي، في حين يجد السكان أنفسهم عاجزين عن حماية ممتلكاتهم أو أراضيهم.
سيطرة ممنهجة
التقرير يشير إلى أن هذه السياسات لا تقتصر على تهجير السكان فحسب، بل تهدف أيضًا إلى فرض سيطرة ممنهجة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية، في خطوة تعكس تخطيطًا طويل المدى يهدد الأمن الإنساني في الضفة الغربية.
منذ بدء الحرب على غزة، شهدت الضفة الغربية تنفيذ 1575 اعتداءً من قبل مستوطنين، وفق بيانات جيش الاحتلال وجهاز الشاباك، بينها نحو 704 هجمات خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الجاري. استخدمت هذه الهجمات أسلحة نارية وبيضاء ومواد مشتعلة، وصُنّف 368 منها كأعمال إرهاب شعبي متعمد، وأسفرت عن إصابة 174 فلسطينيًا، بزيادة 12% مقارنة بالعام الماضي، ما يعكس تصاعدًا خطيرًا وممنهجًا في العنف.
ويستهدف هذا العنف عشرات التجمعات الفلسطينية، خصوصًا في مناطق "C"، حيث يعتمد السكان على الزراعة ورعي الأغنام، في ظل حرمان شديد من البنية التحتية والخدمات الأساسية مثل الطرق والمياه والكهرباء. وتشير تقارير مركز "بتسيلم" إلى أن البؤر الاستيطانية تهدف إلى السيطرة على أكبر مساحة من الأراضي عبر تفريغ المناطق من سكانها الأصليين، بما يعكس سياسة ممنهجة للتهجير القسري.
البيانات المحلية تكشف حجم التهجير وتوزيعه على المحافظات بشكل مفصل: في الخليل، تم تهجير سكان ثمانية مواقع تشمل 64 عائلة بإجمالي 489 فردًا بينهم 211 قاصرًا. وفي بيت لحم، شملت عمليات التهجير ستة مواقع تضم 46 عائلة بإجمالي 211 فردًا، من بينهم 99 قاصرًا. أما في رام الله والبيرة، فتم تهجير 177 عائلة تضم 1150 فردًا بينهم 508 قصر. وفي القدس، شمل التهجير عائلتين في برية حزما بإجمالي 18 فردًا بينهم 4 قصر. وفي نابلس، تم تهجير 17 عائلة تضم 126 فردًا بينهم 57 قاصرًا. بينما شملت طوباس والأغوار أربعة مواقع تهجير تضم 75 عائلة وعددهم 435 فردًا بينهم 207 قصر. وأخيرًا، في أريحا تم تهجير 43 عائلة بإجمالي 262 فردًا بينهم 126 قاصر، وفي سلفيت (خربة أبو الريش) شملت عمليات التهجير 9 عائلات بإجمالي 47 فردًا بينهم 23 قاصرًا.
خلف هذه الأرقام، توجد قصص إنسانية مؤلمة تعكس حجم المعاناة اليومية. عائلة أبو العطا في الخليل، التي تعتمد على الزراعة، فقدت جزءًا من أرضها في هجوم مستوطنين، وأطفالها يعيشون اليوم في خوف دائم من العنف والاعتداءات المتكررة. وفي بيت لحم، اضطرت عائلة الحاج إلى ترك منزلها بعد سلسلة تهديدات، تاركة وراءها سنوات من الذكريات والأمان المفقود، لتجد نفسها مجبرة على إعادة بناء حياتها في مكان جديد وسط صعوبات شديدة.
انتهاكًا صارخًا للقانون
من جهتها، أعرب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عن قلقه البالغ من تصاعد العنف الاستيطاني، محذرًا من أن استمرار الهجمات يفاقم معاناة المدنيين ويهدد حياتهم اليومية. ودعت الأمم المتحدة السلطات الإسرائيلية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الفلسطينيين وضمان حقهم في الحياة بكرامة وأمان، معتبرة أن هذه الهجمات تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان الأساسية.
التقرير الحقوقي يؤكد أن العنف الاستيطاني لم يعد مجرد حوادث فردية، بل أصبح أداة منهجية لتهجير الفلسطينيين قسريًا، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول دور المجتمع الدولي في حماية المدنيين ومنع استمرار هذه الممارسات التي تهدد الأمن الإنساني وتفاقم الأزمة في الضفة الغربية.
و لفتت الصحافة العالمية انتباهها إلى هذا التصاعد الدموي في هجمات المستوطنين، معتبرة أن الأمر لم يعد مجرد عنف متناثر، بل جزء من استراتيجية ممنهجة للتهجير/ اذا حذرت صحيفة واشنطن بوست من أن ما يُسمى "موجة عنف جديدة" من المستوطنين قد تقود إلى نزوح جماعي للفلسطينيين مجددًا.
"جريمة ضد الإنسانية".
أما صحيفة دي دبليو الألمانية، بدورها، نقلت عن تقرير أممي يقول إن 757 هجومًا استيطانيًا موّلت منذ بداية العام، وهي زيادة 13% مقارنة بالفترة نفسها من 2024، مع تحذير من أن بعض هذه الأعمال قد تصل إلى مستوى "جريمة ضد الإنسانية".
فى حين نشرت وكالة الأناضول نقلت عن الأونروا تأكيدًا على أن العنف الاستيطاني المتصاعد في الضفة يمهّد لضم مناطق جديدة، وأنه يُترجَم عمليًا إلى تهجير قسري للمجتمعات الفلسطينية التي تعتمد على الرعي والزراعة.
فيما وصف الاتحاد الأوروبي في بيان رسمي “التصاعد الحاد” في عنف المستوطنين بأنه يشكل تهديدًا خطيرًا لإنهار الوضع الإنساني في الضفة، ودعا إسرائيل إلى اتخاذ خطوات فورية لوقف الاعتداءات وتدمير الممتلكات الفلسطينية.
من جهة أخرى، صحيفة لوموند الفرنسية ربطت هذا العنف اليومي الذي تشهده الضفة منذ بدء الحرب على غزة بمحاولة لخلق واقع دائم من التغيير الديموغرافي، قائلة إن العمليات الاستيطانية والعسكرية تعزز من تفريغ بعض القرى الفلسطينية لصالح بؤر استيطانية متنامية.
هذه التغطية الدولية لا تكتفي بالإدانة؛ بل تبيّن كيف أن العنف الاستيطاني اليومي، المتراكم منذ شهور، يجري اعتباره من قبل جهات كثيرة كأداة عملية للتهجير والتغيير الديموغرافي — مما يضع ضغوطًا متزايدة على المجتمع الدولي للتدخل قبل أن تتحول هذه الهجمات إلى تحول دائم في تركيبة الأرض.