تقرير – شهاب
أطلق باحثون وخبراء سياسيون وقانونيون تحذيرات واسعة، إزاء مشروع القرار الأمريكي المتعلق بنشر قوة دولية في قطاع غزة، والمقرر أن يُعرض على مجلس الأمن للتصويت اليوم الاثنين، وسط مخاوف من أن يؤدي إلى "تكريس الوصاية الخارجية" وفرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة تُقصي الفلسطينيين عن إدارة شؤونهم.
ويأتي هذا التطور بعد حرب مدمّرة خلّفت واقعًا إنسانيًا واقتصاديًا واجتماعيًا بالغ التعقيد، وفي وقت يعيش فيه الفلسطينيون حالة إنهاك غير مسبوقة، فيما تتزاحم المبادرات الدولية لرسم ملامح المرحلة المقبلة من دون أن يكون للفلسطينيين أنفسهم دور حاسم في صياغتها.
ومنذ أسابيع، تشهد أروقة الأمم المتحدة حراكًا تقوده واشنطن في محاولة لبلورة صيغة "حكم انتقالي" لغزة، تجمع بين وجود قوة متعددة الجنسيات وإعادة تشكيل البنية الأمنية والإدارية للقطاع.
وعلى إثر ذلك، تتصاعد المخاوف الفلسطينية من أن يشكل المشروع خطوة أولى نحو تكريس وصاية خارجية طويلة الأمد، خصوصًا بعدما تسربت تفاصيل تشير إلى منح القوة الدولية صلاحيات واسعة تتجاوز إطار حفظ السلام التقليدي إلى إدارة الميدان، وضبط الأمن الداخلي، والإشراف على عمليات إعادة الإعمار، وتوجيه شكل الحكم الفلسطيني القادم.
وبينما تروّج واشنطن للمشروع باعتباره "خطوة نحو الاستقرار"، يرى سياسيون وخبراء فلسطينيون أن المسعى الأمريكي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الهيمنة ويحوّل القطاع إلى ساحة تجارب سياسية وأمنية لا تعالج جذور الصراع، بل قد تفجّره من جديد.
فرض وصاية دولية
المحلل السياسي عماد أبو عواد، حذر من أن مشروع القرار الأمريكي بشأن القوات الدولية في قطاع غزة، والمزمع التصويت عليه اليوم الاثنين، يمثل محاولة لفرض وصاية دولية على الفلسطينيين واستغلالاً لحالة الإرهاق التي يعيشونها بعد الحرب.
وأشار أبو عواد في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، إلى أن صياغة القرار جاءت في سياق قراءة أمريكية وغربية للحالة الفلسطينية، مفادها أن الفلسطينيين "سيتقبلوا أي قرار لا يعيدهم إلى الحرب"، وأنهم سيفضلون ذلك على العودة إلى القتال، معتبراً أن هذه الرؤية الأمريكية والغربية قائمة على أن الفلسطيني "يجب أن يكون مهاداً ومسالماً، أن يقبل بأي عرض يأتي من الخارج".
وأوضح أبو عواد أن القرار يهدف إلى "فرض امتداد بشكل أو بآخر على الفلسطينيين"، ويمهد لوجود غربي ودولي مستمر في قطاع غزة، مما يسمح بـ "صياغة شكل الحكم الفلسطيني بالطريقة التي تناسبهم".
واعتبر أن هذا التوجه سيؤدي إلى تسيير القضية الفلسطينية بأيادٍ خارجية، وهو ما وصفه بأنه "سيئ للفلسطينيين إلى حدود بعيدة"، كما يمثل استمراراً لحالة الانقسام الفلسطيني و"قضم القضية الفلسطينية وإيجاد حلول لإسرائيل وليس للفلسطينيين".
كما حذر المحلل السياسي من أن هذا الوجود الدولي قد يؤدي مستقبلاً إلى صدام بين فصائل المقاومة والوجود الغربي الدولي في القطاع.
من جهة أخرى، يرى أبو عواد أن القرار يحمل إيجابيات كبيرة للاحتلال الإسرائيلي، أبرزها أنه "سيشكل حالة صدام مع حماس" ويتولى مهمة نزع سلاحها وفرض وصاية دولية.
ولفت إلى أن "إسرائيل" قلقة من تداعيات القرار على المدى الطويل، حيث تخشى من فشل نزع سلاح حركة حماس، ومن أن يؤدي وجود القوات الدولية، مع مرور الوقت، إلى وجود حالة ضاغطة فلسطينية وإقليمية باتجاه أن يكون هناك حق تقرير مصير للفلسطينيين.
وأشار إلى أن قدرة الإسرائيليين على التدخل في الشؤون الفلسطينية ستتقلص بشكل كبير مع مرور الوقت في ظل هذا الوجود الدولي.
انتقاص واحتقار للحقوق الفلسطينية
كما حذر الدكتور محسن صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، من أن مشروع القرار الأمريكي بشأن القوات الدولية في قطاع غزة، والمزمع التصويت عليه اليوم الاثنين، يمثل "تكريساً للوصاية الخارجية والاستعمار الخارجي على الشعب الفلسطيني"، مشدداً على أن هذا الأمر مرفوض جملة وتفصيلاً من الشعب الفلسطيني.
وأكد صالح في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن تمرير القرار سيكون بمثابة "انتقاص واحتقار للحقوق الطبيعية والمشروعة للشعب الفلسطيني"، وخصوصاً حقوقه السياسية والقانونية في تحرير أرضه والسيادة عليها وتقرير مصيره.
كما أشار إلى أن القرار يضرب بعرض الحائط مئات القرارات الدولية التي تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه واستخدام كافة الوسائل، بما فيها الكفاح المسلح.
وأوضح مدير عام مركز الزيتونة أن مشروع القرار الأمريكي يمثل "تطبيقاً للإملاءات والأجندات الصهيونية" ورؤيتها تجاه قضية فلسطين وشعبها، وهي إملاءات وصفها بأنها "عنصرية إلغائية" تخدم في النهاية الأجندة الصهيونية في استعمارها الاستيطاني في فلسطين.
واعتبر صالح أن القرار يعبر عن "معاقبة للشعب الفلسطيني" الصابر والمناضل بدلاً من معاقبة الاحتلال وإجباره على الانسحاب، وبالتالي فهو "تكريس للاحتلال بدلاً من التخلص من الاحتلال".
وحذر من أن هذا القرار، إن نُفذ، "لن يؤدي إلى الاستقرار وسيكون عنصر تفجير"، لأن الشعب الفلسطيني يرفض الوصاية والإملاءات الخارجية والأجندة الصهيونية، وسيتابع جهاده حتى النصر والتحرير، كما تمكن من إسقاط عشرات المشاريع الظالمة بحقه من قبل.
بدائل قانونية وسياسية متباينة
أما رئيس الهيئة الدولية "حشد" صلاح عبد العاطي، قال إن مشروع قرار مجلس الأمن بشأن غزة يحمل في طياته مخاطر دولية وبدائل قانونية وسياسية متباينة، حيث إن المشروع الأمريكي يهدف لإدارة مرحلة ما بعد الحرب وفق رؤية أمنية–سياسية أمريكية–إسرائيلية، مع تعديلات عربية شكلية تشمل لجنة محلية لإعادة الإعمار وآليات إشراف محدودة، ورغم التحسينات يبقى المشروع مرتبطًا بالوصاية والهيمنة الإسرائيلية، ويربط حقوق الفلسطينيين بالإصلاح الداخلي وإعادة الإعمار، ويشمل انسحابًا إسرائيليًا مشروطًا بنزع السلاح، ما قد يؤدي إلى صدام محتمل مع المقاومة.
وأضاف عبد العاطي، في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن المشروع الروسي، الصيني يشكل بديلًا أكثر انسجامًا مع الشرعية الدولية، يحمي الحقوق الفلسطينية، ويضمن وقف إطلاق نار شامل وانسحابًا إسرائيليًا كاملًا تحت إشراف أممي مستقل.
وأوضح أن التحليل للقوى الدولية يظهر أن الولايات المتحدة تمتلك تأثيرًا سياسيًا وميدانيًا قويًا وقدرة على التأثير على "إسرائيل" رغم دعمها، مع تراجع في شرعية موقفها، فيما تمثل روسيا والصين نقطة ضغط لتقليل الانفراد الأمريكي، وإمكانية استثمار موقفهما لإدخال ضمانات حماية المدنيين، بينما الدول العربية تمارس ضغطًا لتعديل المشروع بما يحترم الشرعية الدولية ويحد من الابتزاز السياسي، في حين يبقى الموقف الأوروبي هشًا بين الالتزام الأخلاقي والتحالف مع واشنطن.
وأشار عبد العاطي إلى أن المخاطر على الفلسطينيين تتجسد في إدارة انتقالية أمريكية تهمّش التمثيل الوطني، وربط الدولة بالإصلاح الداخلي وإعادة الإعمار، واستمرار الوجود الأمني الإسرائيلي طويل الأمد، وتجاهل جرائم الحرب والإبادة والمجاعة، واستغلال الإعمار والمساعدات لأغراض ابتزازية، إضافة إلى غياب الوحدة الوطنية واحتمال صدام قوة “الاستقرار” مع المقاومة إذا ارتبط الانسحاب بنزع السلاح.
وبيّن أن البديل الروسي–الصيني–الجزائري يتضمن وقفًا شاملًا وفوريًا لإطلاق النار تحت آلية أممية ملزمة، وانسحابًا إسرائيليًا كاملًا وغير مشروط ضمن جدول زمني واضح، وحماية دولية مستقلة تحت مظلة الأمم المتحدة، وإشرافًا أمميًا على المعابر والمساعدات بعيدًا عن السيطرة الإسرائيلية، ومسارًا سياسيًا وفق قرارات الأمم المتحدة، مع إدراج المساءلة الدولية لجرائم الإبادة والتجويع.
وأضاف أن السيناريوهات المحتملة تشمل تمرير المشروع الأمريكي الحالي بما يعزز الوصاية والهيمنة الإسرائيلية ويهدد تذويب الدولة الفلسطينية، أو إدخال تعديلات جوهرية بفعل الفيتو الروسي–الصيني، أو صيغة هجينة (أمريكية–روسية–صينية) وهي الأكثر احتمالًا، أو اعتماد المشروع الروسي–الصيني–الجزائري بالكامل وهو السيناريو المثالي قانونيًا وسياسيًا، أو فشل المشاريع بما يعني استمرار الانهيار الإنساني والمجاعة والفوضى.
ولفت عبد العاطي إلى أن التطورات الأخيرة تمهد الطريق للموافقة الأمريكية، حيث حشدت واشنطن غالبية دعم مجلس الأمن، ما يرفع احتمالية تمرير مشروعها بصيغته الحالية أو معدلة جزئيًا، في ظل معلومات عن اتفاق على امتناع روسيا والصين عن استخدام الفيتو، بما يمنح المشروع شرعية شكلية مع فرصة للضغط الدولي لتعديل بعض البنود.
وشدد على أن التوصيات تتضمن استثمار موقف روسيا والصين لضمان تعديل المشروع ووقف الابتزاز السياسي، مع إلزام إسرائيل بوقف النار والانسحاب الكامل قبل أي ترتيبات، وتعزيز الجهد العربي–الفلسطيني داخل الأمم المتحدة لصياغة صيغة هجينة وفاعلة، وإدراج المساءلة الدولية لجرائم الإبادة والمجاعة ضمن أي مسار تفاوضي، ومنع ربط الإعمار والمساعدات بأي ابتزاز سياسي أو شرط مسبق، واستثمار الاعتراف الدولي المتزايد بالدولة الفلسطينية كرافعة تفاوضية، ووضع جداول زمنية واضحة للانسحاب وفتح المعابر تحت إشراف أممي مستقل.
كما وأكد عبد العاطي على أن المشروع الأمريكي مرشح للتمرير بصيغته الحالية أو معدلة جزئيًا، لكنه رغم التعديل سوف يؤدي إلى تكريس الهيمنة الإسرائيلية والأمريكية على قطاع غزة ويهدد مستقبل الدولة الفلسطينية، ما يستدعي زيادة الضغط العربي والدبلوماسي داخل الأمم المتحدة لإدخال تعديلات عملية تجعل المشروع أكثر توازنًا، وبما يضمن تثبيت وقف إطلاق النار، انسحابًا إسرائيليًا كاملًا، حماية دولية فعالة، وإعادة الإعمار في غزة، مع إمكانية إدخال إصلاحات تقلل الابتزاز السياسي تجاه المساعدات وتحمي المدنيين.
قوة احتلال جديدة
ومن جانبه، قال المحلل السياسي فراس ياغي إن القوة الدولية التي تطرحها واشنطن لم تكن موجودة في خطة ترامب لكنها ظهرت الآن وكأنها قوة احتلال جديدة، مشيرًا إلى أنها الذراع الضاربة والتنفيذية لمجلس السلام الدولي أو "مجلس الوصاية الأمريكية على غزة".
وأوضح ياغي أن هذه القوة تختلف كليًا عن اليونيفيل في لبنان أو الأندوف في الجولان، حيث إن قوات مراقبة فضّ الاشتباك في الجولان تقتصر مهمتها على مراقبة الحدود فقط، بينما اليونيفيل تساعد الجيش اللبناني في تطبيق القرار 1701. أما القوة المقترحة لغزة فستعمل داخل القطاع وتمتلك صلاحيات واسعة، ما يجعلها أقرب لقوة احتلال منها لقوة حفظ سلام.
وأضاف أن الفصائل الفلسطينية كانت قد وافقت سابقًا على قوة دولية لحفظ السلام تراقب الحدود وتمنع الاختراقات الإسرائيلية، لكن المشروع الجديد مختلف، إذ يجعل القوة تعمل بالتنسيق مع الاحتلال لتحقيق أهدافه داخل غزة.
وأشار إلى أن مصر تعتبر هذا الطرح تهديدًا للمشروع الفلسطيني، إذ تفضّل وجود قوة شرطية فلسطينية واحدة داخل غزة، محذرًا من أن دخول هذه القوة سيقود إلى اشتباك داخلي مع المقاومة، وأن الفلسطينيين سيعتبرونها قوة احتلال لا قوة حفظ سلام.
وتجمع التحليلات الفلسطينية على أن مشروع القرار الأمريكي يمثّل منعطفًا خطيرًا في مسار القضية الفلسطينية، كونه يتضمن، وصاية دولية طويلة الأمد على غزة، وشروطًا سياسية وأمنية تمس جوهر السيادة الفلسطينية، وربط الإعمار والدولة بالإصلاحات الداخلية والاعتبارات الأمنية.
كما يتضمن دورًا مباشرًا للقوة الدولية في نزع سلاح المقاومة الفلسطينية وترتيب الحكم، مما يشكل خطر الصدام بين المقاومة والقوات الدولية، وعمل على تعزيز الهيمنة الإسرائيلية بدل إنهاء الاحتلال.
ويذكر أن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أنهى حربًا استمرت لنحو عامين، خلفت أكثر من 69 ألف شهيد فلسطيني، وأكثر من 170 ألف جريح، ودمارًا هائلاً طال نحو 90% من البنى التحتية المدنية، بخسائر أولية قدرت بنحو 70 مليار دولار.