يُجمع مراقبون سياسيون واقتصاديون على أن سلسلة التعديلات المستمرة في حكومة محمد مصطفى، التي تشكّلت في مارس/آذار 2024، تُظهر حجم الأزمة البنيوية التي تعصف بالسلطة الفلسطينية، وتؤشر إلى ضعف قدرتها على إدارة شؤونها في ظل الضغوط السياسية والاقتصادية المتفاقمة.
وتشكّلت حكومة مصطفى في محاولة –وفق خبراء– لاحتواء الضغوط الدولية والإقليمية المطالِبة بإصلاحات داخل السلطة وتقليص تركّز الصلاحيات بيد الرئيس محمود عباس، غير أن الحكومة الجديدة دخلت سريعًا في دوامة من الأزمات والاستقالات والتغييرات الوزارية.
وبعد إعلان تشكيلها رسميًا في 31 مايو/أيار 2024 بتركيبة من 23 وزيرًا، بدأت التصدعات بالظهور داخل الحكومة، التي شهدت تعديلات عدة في حقائب حساسة، أبرزها المالية والنقل والمواصلات. ووفق مركز الاتصال الحكومي، فقد كُلّف وزير التخطيط أسطيفان سلامة بإدارة وزارة المالية بعد استقالة الوزير السابق من دون إعلان الأسباب، فيما أدى د. محمد الأحمد اليمين وزيرًا للنقل في محاولة لاحتواء تداعيات فضائح مالية وإدارية داخل الوزارة.
ولم تقتصر الاضطرابات على الاستقالات، إذ تواجه الحكومة انتقادات واسعة على خلفية قضايا فساد طالت مسؤولين كبارًا، بينهم رئيس هيئة المعابر السابق نظمي مهنا، إضافة إلى شبهات تتعلق بإدارة مشاريع البنية التحتية. ويرى محللون أن هذه القضايا ساهمت في تقويض ثقة الشارع الفلسطيني بالحكومة.
وكانت محكمة مختصة بجرائم الفساد قد أصدرت في الخامس من أكتوبر 2025 قرارات بحق مهنا وزوجته وعدد من أبنائه ومرافقيه وموظفي المعابر، وتضمنت تلك القرارات رفع السرية المصرفية عن حساباتهم، وتتبع نشاطات الخزائن الحديدية الخاصة بهم، إلى جانب طلب تتبع الأملاك المنقولة وغير المنقولة، وفرض الحجز التحفظي عليها.
كما شملت التعديلات وزارة الخارجية والمغتربين، حيث عُيّنت فارسين أغابيكان وزيرة للخارجية في يونيو/حزيران 2025 خلفًا لمصطفى، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لتخفيف الضغط عن رئيس الوزراء وإظهار تماسك حكومي، لكنها تعكس في الوقت ذاته تنامي التحديات المرتبطة بالعلاقات الدولية والمانحين.
ويشير خبراء إلى أن التعديلات لا تُعالج جوهر الأزمة المتمثلة في ضعف البنية المؤسساتية وغياب آليات الشفافية والمساءلة، إلى جانب أزمة التمويل وارتفاع معدلات البطالة والفقر، ما يجعل أي تغيير وزاري "إجراءً شكليًا لا أكثر".
ويؤكد محللون أن استمرار التخبط داخل حكومة مصطفى وفشلها في ضبط الملفات المالية والخدمية يفاقم أزمة الثقة بين الحكومة والمواطنين، ويطرح أسئلة حول قدرة القيادة الفلسطينية على استعادة الثقة الداخلية والمصداقية الدولية، خاصة في ملفات الإصلاح المالي ومحاربة الفساد وإدارة موارد الدولة.
يذكر ان حالة التخبط التى تعيشها السلطة تنعكس على مواقفها الوطنية المغايرة لموقف الفصائل الفلسطينينة فقد ورحّبت السلطة الفلسطينية بقرار مجلس الأمن الأخير بشأن غزة، الذي جرى التصويت عليه أمس، معتبرةً أنه "خطوة في الاتجاه الصحيح" نحو وقف إطلاق النار وفتح المسارات الإنسانية، وفق وكالة الأنباء الرسمية "وفا".
غير أنّ الفصائل الفلسطينية أجمعت على رفض القرار، إذ رأت حركة "حماس" أن الصيغة التي اعتمدها المجلس "منحازة ولا تلبي الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني"، بينما قالت حركة "الجهاد الإسلامي" إن القرار "يمنح الاحتلال هامشًا واسعًا لمواصلة جرائمه تحت غطاء دولي"، وفق بيانات منفصلة نُشرت عبر منصات الفصائل الرسمية. كما اعتبرت الجبهتان الشعبية والديمقراطية أن القرار "يتجاهل الأسباب الجذرية للصراع، ويتعامل مع العدوان كحدث إنساني لا سياسي"، منتقدتين ما وصفوه بـ"استعجال السلطة في الترحيب".
وبحسب مراقبين سياسيين، يعكس هذا التباين الحاد بين السلطة والفصائل استمرار الشرخ الداخلي الفلسطيني حول المقاربة السياسية للصراع، إذ ترى السلطة أن التعاطي مع المؤسسات الدولية هو المسار الوحيد المتاح حاليًا، بينما تعتبره الفصائل مجرّد غطاء لا يغيّر من موازين القوى على الأرض.