يدقّ التجار المقدسيون، إلى جانب خبراء اقتصاديين ومستشارين محليين، ناقوس الخطر إزاء التدهور غير المسبوق الذي يضرب أسواق البلدة القديمة في القدس، مؤكدين أن القطاع التجاري هناك بات على حافة الانهيار بفعل الضرائب الباهظة، وتراجع الحركة السياحية، وتراكم الأزمات السياسية والاقتصادية التي عصفت بالمدينة خلال السنوات الأخيرة.
وطالب التجار بتأسيس صندوق وطني خاص لدعم صمود المحال التجارية، يساهم في تغطية فواتير الكهرباء والمصاريف الأساسية التي باتت تفوق قدرتهم على السداد، إلى جانب إطلاق سوق إلكتروني فلسطيني مخصّص للبضائع المقدسية، يمكّن التجار من بيع منتجاتهم خارج حدود المدينة، والوصول إلى المستهلكين في العالم العربي والدولي.
ينهش قدرة الأسواق
كما شددوا على أهمية تنفيذ مشاريع ترميم شاملة لأسواق البلدة القديمة وواجهات محالها، بما يشمل تغيير الأبواب والشبابيك والرفوف المتهالكة، وإعادة تهيئة المساحات التجارية لتعزيز الجذب السياحي مستقبلاً، إضافة إلى تفعيل برامج قروض صغيرة بلا فوائد تتيح للتجار إعادة تشغيل محالهم وتوظيف العمال العاطلين.
ودعا التجار أيضًا إلى فتح المجال أمام الحرفيين في مجالات النحاسيات والخشب والصدف والتطريز والهدايا للمشاركة في المعارض الدولية، مع تغطية نفقات سفرهم وعرض منتجاتهم، بهدف إنعاش صناعات تراثية تُعد جزءًا أصيلًا من هوية المدينة.
يؤكد التجار أن العبء الأكبر الذي ينهش قدرة الأسواق المقدسية على الصمود هو منظومة الضرائب المعقدة والمتراكمة، والتي يرون فيها أداة ضغط تُستخدم لإضعاف الوجود الفلسطيني في المدينة. فالتاجر المقدسي يواجه سلسلة طويلة من الالتزامات المالية التي تُفرض عليه بشكل متوازٍ، تبدأ من ضريبة الأرنونا، وهي ضريبة الأملاك التي تُعد الأعلى في القدس مقارنة بأي منطقة أخرى، وتُحتسب على مساحة المحل وموقعه، وغالبًا ما تتضاعف قيمتها سنويًا دون مراعاة للركود الاقتصادي أو توقّف الحركة التجارية.
إلى جانب ذلك، تُفرض على التاجر ضريبة اليافطات (الآرمات)، وهي رسوم تُجبى لمجرد وجود لافتة تحمل اسم المحل، وتختلف قيمتها حسب حجم اليافطة ومكان تعليقها، رغم أنها تُعتبر جزءًا أساسيًا من هوية أي منشأة تجارية. كما يخضع التجار لـ ضريبة الدخل التي تُحسب على الأرباح المفترضة وليس الفعلية، ما يعني أن كثيرًا من التجار يُجبرون على دفع ضريبة حتى في الأعوام التي لا يحققون فيها أي ربح أو يعملون بخسارة.
وتضاف إلى ذلك ضريبة المبيعات بنسبة 18%، وهي واحدة من أعلى نسب الضرائب المفروضة على النشاط التجاري، وتُطبّق حتى على البضائع البسيطة والهدايا التراثية التي يبيعها التجار في أسواق القدس القديمة. كما تُلزمهم البلدية بدفع ضرائب تشغيلية متنوعة تشمل رسوم النظافة، وإدارة النفايات، والتأمين الإلزامي، ورسوم التفتيش والمراقبة، وهي مصاريف ثابتة لا يمكن للتاجر التملص منها مهما كانت ظروف السوق.
أما أكثر ما يثير غضب التجار فهو حجم المخالفات البلدية اليومية التي تُفرض بشكل مبالغ فيه، حيث يمكن أن تصل المخالفة الواحدة إلى 600 شيكل لمجرد وجود ورقة أو علبة فارغة أمام المحل، أو لوضع بعض البضائع خارج الباب لبضع دقائق، ما يجعلهم دائمًا تحت خطر الغرامات وتراكم الديون.
طمس هوية القدس
تفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي في القدس سياسة ممنهجة تهدف إلى طمس الهوية الفلسطينية والعربية والدينية للمدينة، عبر مجموعة من الإجراءات الاقتصادية والإدارية والأمنية التي تضغط على السكان الفلسطينيين وتجعل الحياة في المدينة صعبة بشكل متعمد.
تشمل هذه السياسات رفع الضرائب على المحلات والمنازل، وفرض المخالفات اليومية، والقيود على البناء والترميم، إلى جانب تشديد الرقابة على الحركة وحرمان أهالي الضفة الغربية من دخول المدينة بحرية. كما تركز هذه السياسة على تقليص الوجود الفلسطيني في الأحياء القديمة، وتشجيع الاستيطان الإسرائيلي وتغيير الطابع التاريخي للمدينة، بما يؤدي إلى تهجير السكان المحليين وابتلاع الأرض الفلسطينية تدريجيًا.
في هذا السياق، يصبح كل محل تجاري فلسطيني أو منزل عربي هدفًا للضغط المالي أو القانوني، بما يعكس استراتيجية واضحة لإضعاف المجتمع الفلسطيني وطمس ملامح المدينة العربية والدينية الأصيلة، بما يهدد التراث الثقافي والتاريخي للقدس ويضع مستقبل هويتها على المحك.
ويقول التجار إن هذه المنظومة الضريبية بمجملها تحوّل تجارتهم إلى ما يشبه "معركة يومية للبقاء"، إذ يعمل كثيرون فقط من أجل تسديد الضرائب المتراكمة، دون أن يتمكنوا من تحقيق أرباح حقيقية أو حتى تغطية مصاريفهم التشغيلية. وفي ظل تراجع السياحة وغياب الزوار، أصبحت المحلات المقدسية تدور في حلقة مغلقة، حيث تُستهلك كل مدخولاتها في دفع الضرائب، تاركة أصحابها على حافة الانهيار الاقتصادي.
هذه الأعباء، وفق التجار، تجعل العمل التجاري في القدس أقرب إلى "الدوران في حلقة مغلقة"، حيث يضطر كثيرون للعمل فقط من أجل تسديد الضرائب دون تحقيق أي ربح.
وقال التاجر قصي أبو سنينة، صاحب محل تطريز تراثي، إنهم "أصبحوا يعملون فقط من أجل دفع الضرائب"، مشيرًا إلى أن السياحة متوقفة، والزوار المحليين عاجزون عن الشراء، بينما لا تمنح بلدية الاحتلال لهم أي فرصة للصمود. وأضاف: "أن يبقى المحل مفتوحًا فقط… فهذا بحد ذاته معجزة".
أما التاجر هيثم دعيسة، صاحب محل خزف وهدايا شرقية، فأوضح أن المحلات في خان الزيت ووادي السلسلة "فقدت أكثر من 60% من دخلها خلال السنوات الثلاث الأخيرة"، مؤكدًا أن التجار لا يطلبون الكثير "بل مجرد بيئة تُمكّنهم من البقاء"، وأن إعفاءً ضريبيًا مؤقتًا قد يحمي عشرات العائلات من الانهيار.
على حافة الفقر
من جانبه، قال مستشار محافظ القدس معروف الرفاعي :" إن المدينة تعيش منذ سنوات في دوامة من الصدمات الاقتصادية؛ بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب على غزة، ووصولًا إلى الإغلاق الذي فرضته سلطات الاحتلال خلال الحرب الأخيرة مع إيران، ومنع أهالي الضفة — مسلمين ومسيحيين — من دخول القدس.
وأوضح أن البلدة القديمة كانت تضم نحو 1400 محل تجاري تشكل شريان الحياة الاقتصادية للمدينة، لكن التقديرات تشير اليوم إلى أن 17% من هذه المحال أغلقت نهائيًا جرّاء الضرائب والمخالفات وغياب الإيرادات.
كما تعتمد 462 منشأة تجارية بالكامل على السياحة، وهي القطاعات الأكثر تضررًا منذ سنوات بفعل غياب الزوار الأجانب والحجاج، والقيود الأمنية المشددة، وتدهور الأوضاع السياسية.
وبحسب الرفاعي، فإن نحو 35% من دخل بلدية الاحتلال مصدره شرق القدس، وهو ما يعكس حجم الضغط الضريبي الهائل على السكان الفلسطينيين، في حين يعمل 34% من القوى العاملة المقدسية في قطاع السياحة الذي انهار شبه كامل.
وأشار إلى أن أكثر من 300 تاجر يضطرون للعمل ليلًا داخل مدن الداخل المحتل فقط لتوفير مصاريف محالهم التي يفتحونها صباحًا دون أرباح تُذكر، لافتًا إلى أن خلف كل محل تجاري ثلاث أسر على الأقل تعتمد عليه، أي أكثر من 4200 أسرة مقدسية مهددة بفقدان مصدر رزقها.
يبقى انهيار المحال التجارية في البلدة القديمة بالقدس تهديدًا لا يقتصر على الخسائر الاقتصادية فحسب، بل يمتد ليشكل خطرًا وجوديًا على الثقافة الفلسطينية وهويتها التاريخية. فالمحلات التراثية والحرفية، من تطريز ونحاس وخزف وأعمال يدوية، تمثل جزءًا أصيلًا من ذاكرة المدينة وتراثها، وإغلاقها قد يؤدي إلى فقدان ملموس لهوية القدس الفلسطينية وتلاشي صناعات محلية تعكس تاريخها وأصالتها.
غياب مقومات الصمود
ومن جهة أخرى، يبرز غياب دور القطاع الخاص والمبادرات المحلية كأحد أوجه القصور في التصدي لهذه الأزمة، إذ لم يتم استثمار إمكانيات الشراكات مع المؤسسات الخيرية الفلسطينية أو الدولية، أو إطلاق برامج تمويل جماعي لدعم صمود المحال، بينما أثبتت هذه الحلول فعاليتها في مدن أخرى متأثرة بالأزمات الاقتصادية.
كما أن الفوارق الاقتصادية والضريبية بين البلدة القديمة ومناطق أخرى مثل القدس الغربية، حيث الضرائب أقل والتسهيلات أكثر، تكشف عن التمييز الهيكلي الذي يعاني منه التجار الفلسطينيون، ويضعهم تحت ضغوط مضاعفة. والأمر لا يقتصر على المدينة نفسها، إذ أن إغلاق هذه المحال يؤثر مباشرة على الاقتصاد الوطني الفلسطيني، من خلال تعطيل سلاسل التوريد المحلية، وتراجع فرص العمل للعمال الفلسطينيين في قطاع السياحة، وتقليص قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الاستفادة من التدفقات السياحية الدينية والثقافية التي تشكل أحد أعمدة التنمية في المدينة.