قائمة الموقع

الاستيطان يبتلع قرية "عابود" غرب رام الله ويشل الحياة الزراعية

2025-11-29T10:27:00+02:00

تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة الاستعمار الاستيطاني "الاسرائيلي" في الضفة الغربية بطريقة غير مسبوقة، عبر فرض وقائع جديدة وتكريسها من خلال سياسات استيطانية متنوعة، تشمل انتشار البؤر الاستيطانية الرعوية داخل أحياز القرى والمدن، إلى جانب انفلات عنف المستوطنين وإحراق القرى، بمساندة جيش الاحتلال. وتُسيطر قلة من المستوطنين على مساحات واسعة، حيث تتميز هذه البؤر بحدود رخوة تحددها مراعي أبقار المستوطنين ونباح كلابهم.

ويقول الباحثان مجدي المالكي وأحمد أسعد بأن مرحلة ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 تمثل مرحلة جديدة في تاريخ الاستيطان، شهدت خلالها سياسة الاحتلال تحولًا كبيرًا، يتمثل في السيطرة على أراضٍ أكبر مع وجود عدد أقل من الفلسطينيين، وإن اختلفت الآليات المستخدمة.

وقد وُسمت هذه المرحلة بسمات جديدة تحت ذرائع متعددة، مستغلة حرب الإبادة على قطاع غزة لفرض وقائع جديدة تهدف لحسم مستقبل الضفة الغربية، وأبرزها الانتقال نحو فرض سيادة الاحتلال الكاملة على الأراضي الفلسطينية عبر سياسات أكثر شمولية وعنفًا، تتضمن تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، وحصرهم في مناطق متناثرة ومعزولة، وتحويل الجغرافيا الفلسطينية إلى أحياز سجنية، مع انتشار الأبراج، البوابات الحديدية، والحواجز الأسمنتية التي تحوّل القرى والمدن إلى معابر للموت.

نموذجًا مصغّرًا

تعد قرية عابود نموذجًا مصغّرًا للسياسات الاستيطانية التي تطبقها حكومة الاحتلال، وتقع شمال غرب محافظة رام الله والبيرة، على بعد نحو 30 كم عن المدينة، عند الطريق المؤدي إلى الساحل أو ما يُعرف بطريق رأس العين. وقد شكل هذا الطريق في الفترة الرومانية شريانًا تجاريًا رئيسيًا، حوله تشكلت الحياة الحضرية للقرية.

وحافظت عابود على مكانة دينية واجتماعية خاصة، إذ تروي المرويات الشعبية أن المسيح مر بالقرية وجلس على مكان مرتفع ليعلّم الناس، ما انعكس على قِدم كنائسها وأهميتها الدينية. كما ارتبطت القرية تاريخيًا بالمدن الساحلية كيافا واللد والرملة، حيث كان يُباع تفاح القرية وزيتونها في أسواقها، قبل أن تقطع حروب النكبة عام 1948 هذا الرابط، وتصبح المنطقة جزءًا من الحدود الأردنية، فيما خضعت الجهة الغربية من أراضيها لقيود رسمتها خطوط اتفاقية الهدنة الموقعة مع الأردن سنة 1949.

احتُلت عابود عام 1967، وخضعت كسائر الضفة الغربية للحكم العسكري، الذي تضمن سلسلة من القوانين والأوامر العسكرية الاستعمارية للسيطرة على الأراضي وإنشاء المستعمرات عليها. وفي عام 1974، صدر قرار عسكري بوضع اليد على 30 دونمًا من أراضي القرية تحت عنوان "مناطق أمنية"، ما حرَم الأهالي من استغلال أراضيهم الزراعية، والتي تقع اليوم في محيط مستعمرة "عوفريم" التي أقيمت على أراضي عدة قرى عام 1989، وتمتد على مساحة 13,800 دونم تقريبًا.

قبل ذلك، أقيمت مستعمرة "بيت أريه" على الأراضي الغربية للقرية، عند الطريق الساحلي الذي أعيد تشغيله بعد 1967، ما جعل الطريق الرئيسي للقرية محورًا للنقل تحت سيطرة المستوطنات. ومع انتفاضة الأقصى عام 2000، أُغلق الطريق، ما أدى إلى توقف النشاط الاقتصادي للقرية وإغلاق عشرات الورش والمحلات التجارية، واستعيض عنه بطريق التفافي من أطراف القرية الشرقية يربط بين مستعمرات الجبال الوسطى ومدن الساحل، ويخضع لمجالس المستوطنات. وفي السنوات الأخيرة، شُق طريق جديد يربط بين مستعمرة "بيت أريه" و"عوفريم" لتصبح جزءًا من تجمع استيطاني أكبر يُعرف باسم "موديعين عليت"، ما أدى إلى مصادرة وجرف مئات الدونمات الزراعية.

 الحصار والتضييق

تبلغ مساحة أراضي قرية عابود نحو 15,000 دونم وفق هيئة الجدار، والبعض يقدرها بـ18,000 دونم. منها 2,279 دونم (16%) مصنفة مناطق (ب)، والباقي (حوالي 13,000 دونم) مناطق (ج)؛ وهي أراضٍ زراعية يعتمد عليها السكان للعيش. ومع ذلك، فقدت القرية نحو 7,000 دونم نتيجة المصادرة لبناء الطرق الالتفافية، المستعمرات، والجدار الاستعماري الذي أقيم في فترة الانتفاضة الثانية، ما حدّ من إمكانية التوسع العمراني وحصر السكان داخل مساحة غير مناسبة للنمو السكاني. وأجبرت هذه الظروف بعض الأهالي على مغادرة القرية، فيما اضطر آخرون للبناء في مناطق (ج) من دون تراخيص، مما يهدد منازلهم بالهدم.

خلال الأحداث العنيفة التي أعقبت 7 تشرين الأول/أكتوبر، تصاعد عنف المستوطنين المدعومين من جيش الاحتلال، وتمت مصادرة أراضي جديدة، حيث استولى مستوطن مسلح على نحو 75 دونمًا زراعيًا جنوب القرية، وأغلق الطريق القديم المعروف بـ"طريق المي"، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم في موسم الزيتون، ما أدى إلى خسائر كبيرة في الإنتاج الزراعي. وقد رافق ذلك اقتحامات متكررة لوادي الليمون، وهو متنفس أساسي للقرية وموطن أهم عيون المياه، ما زاد من معاناة السكان وحصر حياتهم داخل مساحة محدودة.

يعتمد سكان عابود على الزراعة بشكل رئيسي، حيث يعمل نحو نصف الأهالي في هذا القطاع، الذي تضرر بشكل كبير نتيجة المصادرات، الطرق الالتفافية، والجدار الاستعماري، ما أدى إلى ارتفاع البطالة وزيادة صعوبة الوصول إلى أماكن العمل، خصوصًا بعد الإغلاقات المتكررة للقرية. وقد حولت هذه السياسات القرية إلى حيز مسجون، وجعلت الحياة اليومية فيها صعبة للغاية، مع استمرار التهديد بهجمات المستوطنين والمصادرة المستمرة للأراضي.

اخبار ذات صلة