قدم الباحث "الإسرائيلي" وأستاذ الجامعة العبرية في القدس، أساف ديفيد، قراءة معمقة لتحولات الجيش والمجتمع "الإسرائيليين" منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، معتبرًا أن الحدث شكّل "نقطة انهيار داخلية" داخل الدولة، في مقابلة مع موقع أوريان 21 أجراها الصحفي سلفيان سيبل.
وأشار ديفيد إلى أن "إسرائيل" تشهد اليوم تحولًا جذريًا يقودها نحو بنية عسكرية وسياسية وصفها بـ"المسيحانية" ذات النزعة التدميرية، معتبرًا أن الجيش أصبح يشبه "جيش مليشيات" بعد تآكل منظومة القيادة والانضباط داخله.
وأوضح الباحث أن المجتمع "الإسرائيلي"، قبل الهجوم، كان يعيش حالة إنكار كاملة لواقع الاحتلال وقسوته، حيث كانت غزة خارج الاهتمام العام، وكان يُنظر إليها على أنها "إزعاج غير مهم" بحسب تصريحات سابقة لرئيس وزراء الاحتلال السابق نفتالي بينيت.
وأضاف ديفيد أن "طوفان الأقصى" باغت الإسرائيليين ودمر ثقتهم بالمؤسسات، إذ انزلق الجيش إلى رد فعل فوضوي تغذيه رغبة انتقامية واسعة، مدعومة من القيادة السياسية والعسكرية، ما أدى إلى انفلات في السلوك العسكري وتوسيع الهجمات دون قيود.
كما لفت الباحث إلى أن التيار الديني المسيحاني أصبح القوة المهيمنة داخل الجيش وأجهزة الأمن، مشبهًا تأثيره بما يفعله المتطرفون الجهاديون في الإسلام، موضحًا أن بعض الضباط الكبار تبنوا خططًا ذات طابع تطهيري تجاه غزة، تضمنت التسبب في مجاعة لدفع السكان إلى الرحيل، مع خلق "إدارة لإعادة التوطين الطوعي".
وأشار ديفيد إلى أن هذا التحول أدى إلى اتساع حالات اتخاذ الضباط قرارات مستقلة مناقضة أحيانًا لأوامر القيادة، وهو ما وصفه في تحليل المقدم أساف حزاني في كتابه "جيش المليشيات". وأضاف أن القيادة السياسية والعسكرية أعطت "النغمة" للتدمير والانتقام، مستشهدًا بتصريح رئيس الأركان هرتسي هاليفي لزوجته قبل التوجه لمقر القيادة: "سندمر غزة".
ولفت الباحث إلى أن الهدف العسكري في الأيام الأولى كان غامضًا، إذ كان التركيز على إلحاق أكبر قدر من الضرر بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) بدلًا من دقة الضربات، وارتفعت نسب "الخسائر الجانبية" المسموح بها بشكل كبير، حتى وصلت إلى قتل 200 مدني مقابل اغتيال قائد واحد.
وحذر ديفيد من أن هذه التوجهات أدت إلى انتشار صدمات نفسية بين الجنود، بما فيها الانتحارات والاضطرابات المستترة تحت مسمى "الإصابات الأخلاقية"، متوقعًا أن تترك أثرًا طويل الأمد على الأجيال القادمة.
كما وصف العلاقة بين الجيش والحكومة بأنها مشحونة، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى إلى إطالة أمد الحرب واستغلال الفوضى للبقاء في السلطة، وقد يتصاعد في غزة أو لبنان أو إيران إذا رأى ذلك يخدم مصالحه.
وتطرق الباحث إلى التدخل الأميركي، معتبرًا أن خطة الرئيس دونالد ترامب لغزة تحمل بعدًا اقتصاديًا، وأن إنشاء قاعدة أميركية داخل إسرائيل لأول مرة يمثل تحولًا حساسًا في ميزان السيادة، رغم أن التحكم الفعلي سيظل بيد إسرائيل.
واختتم ديفيد تحليله مؤكدًا أن إسرائيل تتجه نحو مجتمع عسكري متشدد مشبع بالعنف، خاضع لنفوذ تيار مسيحاني قومي داخل مؤسسات القوة، وهو ما يشكل "أخطر تهديد على مستقبل الدولة نفسها وعلى المنطقة بأكملها".
