ترجمة خاصة / شهاب
كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت عن شهادات غير مسبوقة أدلى بها رئيس ملف الأسرى والمفقودين السابق وعضو الوفد الإسرائيلي المفاوض، الجنرال نيتسان ألون، الذي تولّى المهمة الأخطر داخل منظومة الاحتلال عقب هجوم السابع من أكتوبر. شهادة ألون، التي وُصفت داخل الأوساط الإسرائيلية بأنها "أخطر ما قيل منذ بدء الحرب"، تطيح بالرواية الرسمية وتؤكد حجم الانهيار الذي أصاب الدولة ومنظومتها العسكرية والاستخبارية والسياسية.
منذ اللحظة الأولى، يقرّ ألون بأن ما وقع في السابع من أكتوبر "فاق قدرات إسرائيل بالكامل"، وأنه شعر بصدمة عميقة من سرعة انهيار كل المكونات، ليس الجيش وحده، بل "الدولة كلها". أمام هذا الانهيار، وجد الاحتلال نفسه في معضلة لم يعرف كيف يتعامل معها: قضية المختطفين. ويؤكد ألون أن من يدّعي أن إسرائيل كانت تعرف ماذا تفعل "كاذب ولا يقول الحقيقة".
بعد أيام قليلة على الهجوم، كُلّف الجنرال بتشكيل قسم خاص للتعامل مع ملف المختطفين، عمل تحت قيادته نحو 2500 جندي وضابط على مراحل، بينهم طواقم استخباراتية تعمل على مدار الساعة. وخلال أسبوعين أو ثلاثة من العمل المكثف، تمكّن القسم من تحديد عدد المختطفين: 251 أسيرًا جديدًا إضافة إلى 4 أسرى قدامى.
ولفهم الصورة، أنشأت المنظومة الاستخبارية قسمين: "القسم الأزرق" المسؤول عن جمع المعلومات من داخل إسرائيل عبر تحليل الصور ووسائل التواصل والكاميرات، و"القسم الأحمر" المكلف باختراق غزة، يضم ممثلين من الوحدة 8200 ووحدة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية والوحدة 504 الخاصة بالتحقيق مع الأسرى، إضافة إلى عناصر من الشاباك. ومع ذلك، بقيت الصورة الاستخبارية ناقصة ومشحونة بالثغرات.
ويذهب ألون أبعد من ذلك، معتبرًا أن تبرير حركة حماس لتأخر تسليم آخر جثة كان"منطقيًا وموضوعيًا"، بالنظر إلى حجم الفوضى التي عاشها القطاع بعد السابع من أكتوبر.
لكن أخطر ما كشفه الجنرال يتمثل في اعترافه بأن ملف المختطفين لم يكن على رأس أولويات الوحدات المقاتلة، وأن زياراته المتكررة لمواقع القتال أثبتت انشغال الجيش بتنفيذ مهامه والحفاظ على حياته، ما أدى إلى "مآسٍ" انتهت بمقتل عدد كبير من المختطفين.
ويكشف أن أول مختطف قُتل على يد الجيش هو تامير نمرودي، بعد قصف المنزل المحتجز فيه من الجو "دون أن نعلم أنه هناك".
ومع انطلاق المناورة البرية بعد ثلاثة أسابيع من القصف الجوي، كانت لدى الاحتلال معلومات شبه دقيقة عن أماكن المختطفين، لكن دخول القوات إلى جباليا دفع الخاطفين لنقل الأسرى إلى الشجاعية، وهو ما أفقد إسرائيل القدرة على رسم صورة استخبارية متكاملة. وتفاقم الارتباك لدرجة دفعت المنظومة الأمنية إلى استخدام مصطلح جديد لوصف المفقودين: "غالبًا قتيل" (Most Probably Dead).
أما في مفاوضات الصفقة الأولى، فيؤكد ألون أن الكابينت لم يكن لاعبًا رئيسيًا، إذ كان أعضاؤه منشغلين بقضايا أخرى.
ويشدد على أن الوساطة القطرية والمصرية كانت "حيوية وضرورية"، وأن نجاح المفاوضات كان مستحيلاً بدونها. وفي المقابل، يعترف بفشل الوساطة الأمريكية في عهد جو بايدن، حيث اقتصر تركيز واشنطن على إطلاق سراح الأميركيين فقط.
كما ينتقد سياسة بايدن المعروفة بـ"احتضان نتنياهو" التي سمحت لرئيس الحكومة بتشديد مواقفه، وساعدت الوسطاء على التهرب من التزاماتهم.
ويرى ألون أن تأثير الاحتجاجات داخل إسرائيل كان محدودًا جدًا، لأن الحكومة اتخذت خطوات هدفت إلى تقليص تأثير الشارع على قراراتها.
ويشير إلى أن أصعب اللحظات التي عاشها خلال الحرب كانت عند مقتل ستة مختطفين في خانيونس في فبراير 2024، ومقتل ستة آخرين على يد الجيش نفسه في رفح في أغسطس من العام ذاته.
وفي قراءته لوضع غزة بعد الحرب، يقول ألون إن القطاع "له أصحاب لا يمكنهم التخلي عنه"، وإنه من المستحيل إقناع مواطن من بيت لاهيا بأن منزله أصبح في رفح. ورغم حجم الدمار، يؤكد أن غزة "لم تُدمَّر نهائيًا"، وأنه لا توجد أي وصفة لتحويل الغزيين إلى غرباء عن أرضهم.
ويحذر ألون من أن مئات آلاف الأطفال الذين يعيشون بين الركام اليوم لن يكونوا جيلًا ينبذ العنف، بل ستكون النتائج "عكسية تمامًا"، ما ينسف الادعاءات الإسرائيلية حول خلق بيئة "أكثر أمانًا".
ويتوقف الجنرال عند مسألة نزع سلاح حماس باعتبارها المعيار الأكثر حساسية لقياس نتائج الحرب. فإذا نجح الاتفاق – وفق رأيه – فسيكون السؤال الأخطر: هل يستحق نزع السلاح هذا الثمن الباهظ من مقتل مئات الجنود، وتفكك الجبهة الداخلية، وتضرر الاقتصاد، وتراجع مكانة إسرائيل عالميًا، وسقوط عشرات الآلاف من الفلسطينيين؟
أما إذا لم يتحقق نزع السلاح، فسيكون ذلك "إعلانًا رسميًا بأن الحرب لم تحقق أي هدف"، وأنه كان بالإمكان الوصول إلى اتفاق مشابه "منذ وقت مبكر جدًا".