تقرير – شهاب
تعيش غزة منذ ساعات تحت وطأة منخفض جوي عميق أدى إلى تفاقم الوضع الإنساني المتدهور أصلًا، وسط تحذيرات فلسطينية ودولية من كارثة غير مسبوقة قد تضرب أكثر من مليون ونصف نازح يعيشون في خيام متضررة وسط انعدام شبه كامل لمقومات الحياة.
وعلى امتداد الساعات الأولى للعاصفة، تحولت غزة إلى ما يشبه مستنقعًا كبيرًا؛ حيث أصبح المطر خصمًا جديدًا يهاجم مدينة مُنهكة لم تعد تملك من أدوات الدفاع شيئًا، فالخيام ممزّقة، والطرق مجرّفة، وشبكات الصرف محطّمة، والأطفال يرتجفون في العراء بينما المياه تزحف إلى ما تبقى من أماكن يفترض أنها "مأوى".
وفي المخيمات، كانت الرياح تقتلع الخيام كما يقتلع الاحتلال البيوت، وكانت المياه تتسرب إلى أغطية النوم الباردة، فتوقظ الأطفال على نوبات من البكاء لا يستطيع أحد تهدئتها.
ولم تكن البلديات والطواقم الميدانية أحسن حالًا؛ فالعاصفة كشفت العجز الكبير الذي خلّفته الحرب، فآليات مدمرة، والمحطات غارقة، والطرق غارقة ومغلقة، ورجال يواجهون المنخفض والعاصفة بأيدٍ شبه خالية.
معدات متهالكة وقدرات شبه معدومة
المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا، حذّر من كارثة إنسانية وبيئية غير مسبوقة تضرب المدينة جرّاء المنخفض الجوي العميق، مؤكدًا أن غزة تمرّ بواحدة من أصعب مراحلها منذ اتفاق وقف إطلاق النار.
وقال مهنا في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، إن المنخفض تسبب بغرق وتطاير مئات الخيام، وارتفاع منسوب المياه، وغرق مراكز الإيواء والمخيمات، وانقطاع الطرق الرئيسية، وطفح مياه الصرف الصحي في المناطق المنخفضة، ما خلق ظروفًا كارثية خاصة على الأطفال والنساء داخل الخيام.
وأوضح أن قدرة تصريف مياه الأمطار في مدينة غزة انخفضت إلى 20% فقط بعد تدمير 7 مضخات من أصل 8، وتدمير 50% من شبكات ومرافق الصرف الصحي، إضافة إلى خروج 40% من مصارف الأمطار عن الخدمة بسبب القصف "الإسرائيلي".
وأشار مهنا إلى أن كميات الركام الهائلة والنفايات المتكدسة أعاقت مسارات المياه تمامًا، فيما تحولت شوارع كثيرة إلى طرق ترابية بعد تجريف الاحتلال لها، مما زاد من سرعة تجمع المياه وغرق الخيام.
وأكد مهنا أن البلدية تعمل حاليًا بـ15% فقط من الآليات والمعدات القديمة المتهالكة التي كانت موجودة قبل الحرب، مع نقص حاد في الوقود يمنع تشغيل ما تبقى من معدات، مما جعل الطواقم تعتمد على "حلول إسعافية بدائية" غير قادرة على مواجهة كارثة بهذا الحجم.
كما حذّر من موجة جديدة أقوى قادمة خلال الساعات المقبلة، مشيرًا إلى أن البلدية تفتقر كليًا للآليات الثقيلة والمعدات اللازمة لسحب المياه أو فتح الطرق أو حماية الخيام.
وأطلق المتحدث باسم البلدية نداء استغاثة عاجلًا للمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية، مطالباً فورًا بإدخال الوقود بشكل عاجل، وإدخال آليات ثقيلة ومعدات تصريف وشفط المياه، وتوفير مساكن بديلة ووسائل تدفئة، والسماح بإدخال مواد البناء لإعادة تأهيل البنية التحتية.
وشدد مهنا بالقول: "النازحون يعيشون الآن بين برد قارس وأرض موحلة وخطر فيضان في أي لحظة، القادم أصعب بكثير إذا لم يتحرك العالم الآن".
2500 نداء استغاثة
وحذرت الأرصاد من موجة أشد سوف تضرب سواحل القطاع بعد ساعات، في حين قال الدفاع المدني إنه أخلى 14 خيمة فقط في مواصي رفح، وشكل خلية أزمة للتعامل مع الظروف التي تفوق طاقة البلديات التي فقدت كل معداتها خلال الحرب.
وقال المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل إن أكثر من 2500 نداء استغاثة وصل منذ بدء المنخفض، مؤكدا انهيار منزلين بمدينة غزة بسبب الأمطار.
وأكد بصل أن 99% من مراكز الإيواء غرقت بشكل كامل، وأن أكثر من مليون و500 ألف إنسان يعيشون في خيام غارقة تماما، وأن القادم سيكون أصعب بسبب انخفاض درجات الحرارة التي قد تؤدي لحدوث وفيات كبيرة، مشيرا إلى وفاة فتاة فعليا بسبب البرد.
وقال المتحدث إن غياب المعدات يحول دون تقديم مساعدة للناس، وإن إدخال المعدات لن يكون كافيا لأن المطلوب حاليا هو إدخال بيوت متنقلة بشكل فوري حتى يمكن إيواء الناس فيها لأن الساعات المقبلة ربما تشهد كارثة أكبر بسبب وجود الناس في العراء.
دون مأوى
في غضون ذلك، حذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) من أن البرد والاكتظاظ وانعدام النظافة يزيد من خطر الإصابة بالأمراض والعدوى، وأن هطول الأمطار يحمل مصاعب جديدة ويفاقم الأوضاع المعيشية المتردية أصلا ويجعلها أكثر خطورة.
وقالت الوكالة في تغريدة على منصة "إكس"، إنه يمكن تجنب هذه المعاناة من خلال تقديم المساعدات دون قيود بحيث تشمل تقديم الإغاثة والدعم الطبي المناسب.
ولا يزال القطاع يعاني نقصا كبيرا في الخيام والمواد الإغاثية بسبب عدم التزام الاحتلال بما تم التوافق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ قبل شهرين وخصوصا إدخال الخيام والبيوت المتنقلة والوقود والمساعدات الطبية.
ووفق المجلس النرويجي للاجئين، فإن القطاع لم يتلق سوى كميات ضئيلة جدا من مواد الإيواء بعد شهرين من سريان اتفاق وقف الحرب، في حين لم تتمكن الأمم المتحدة ومنظمات أخرى لم تتمكن سوى من إدخال 15.600 خيمة تكفي 88 ألف شخص فقط.
وقال المجلس إن نحو مليون و300 ألف شخص بحاجة لمأوى من أجل النجاة خلال فصل الشتاء، ودعا قادة العالم لتوفير وصول غير مقيد إلى القطاع.
بدوره، حذر المدير العام لوزارة الصحة في غزة الدكتور منير البرش من تداعيات المنخفض الجوي الجديد الذي يهدد آلاف العائلات النازحة في المخيمات، مؤكدا أن المطر والبرد يتحولان إلى تهديد لحياة الفئات الهشة.
عقاب جماعي متعمّد
في ظلّ تفاقم الأوضاع الإنسانية الكارثية في قطاع غزة مع دخول فصل الشتاء واشتداد المنخفضات الجوية، أصدرت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" تصريحاً صحفياً حمّلت فيه الاحتلال المجرم المسؤولية الكاملة عن المعاناة المتزايدة لشعبنا.
وأكدت الحركة أن الاحتلال يمارس المماطلة والتنصّل من التزاماته ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، خاصة فيما يتعلق بالبروتوكول الإنساني، حيث يتعمد تعطيل إدخال مواد الإيواء الأساسية. هذا التعطيل يفاقم معاناة مئات الآلاف من النازحين الذين يعيشون في مراكز إيواء وخيام مهترئة لا تقوى على الصمود أمام البرد والعواصف.
وشددت حماس على أن العدو المجرم يتحمل كامل المسؤولية عن الظروف المأساوية التي يعيشها شعبنا في غزة، نتيجة منعه المتعمد لإدخال مواد الإيواء، وتعمده مفاقمة معاناة مئات آلاف النازحين مع دخول فصل الشتاء وعجز الخيام عن الصمود أمام البرد والعواصف. هذا المنع يكشف عن استمرار سياسة العقاب الجماعي التي يمارسها الاحتلال.
وفي سياق متصل، وجهت الحركة نداءً عاجلاً إلى الوسطاء والدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار، مطالبة إياهم بـ "التحرك العاجل والضغط المباشر" على حكومة الاحتلال لإدخال جميع مواد الإيواء اللازمة دون قيود، وفتح معبر رفح في كلا الاتجاهين، وفقاً لما نصّ عليه الاتفاق، وبما يضمن الكرامة الإنسانية للمتضررين.
كما طالبت حماس الدول العربية والإسلامية وكافة الدول والشعوب حول العالم بضرورة تكثيف الحراك والتضامن مع شعبنا، والضغط على الاحتلال لوقف انتهاكاته المتواصلة، وإلزامه بموجبات البروتوكول الإنساني، لتمكين شعبنا من التعافي والبدء في إعادة إعمار ما دمره الاحتلال. ويأتي هذا التصريح ليؤكد أن الأزمة الإنسانية في غزة هي نتيجة مباشرة لسياسات الاحتلال الإجرامية.