قائمة الموقع

بين الإنفاق العسكري وأزمة تجنيد الاحتياط.. حرب غزة تُدخل "إسرائيل" مرحلة "الاقتصاد الزومبي"

2025-12-18T11:59:00+02:00
حرب غزة تُدخل "إسرائيل" مرحلة "الاقتصاد الزومبي"
وكالة شهاب

تقرير – شهاب

كشفت الحرب على قطاع غزة عن هشاشة متزايدة في بنية الاقتصاد الإسرائيلي، بعدما أزاحت الغطاء عن اختلالات عميقة كانت تُدار لسنوات عبر الإنفاق العسكري والتدخلات المالية والديون.

فخلف مؤشرات الاستقرار الظاهري في الأسواق، تتراكم أزمات في سوق العمل، وتتعاظم كلفة تجنيد الاحتياط، وتتراجع الثقة بالقدرة على تحقيق نمو مستدام في مرحلة ما بعد الحرب.

وبين توصيف خبراء مستقلين للاقتصاد بأنه يعيش حالة "نشاط بلا أفق"، وتحذيرات رسمية من استنزاف متسارع للموارد البشرية والمالية، يسلّط هذا التقرير الضوء على ملامح أزمة باتت تهدد استقرار الاقتصاد الإسرائيلي على المديين المتوسط والبعيد، من خلال قراءة مزدوجة تجمع بين تشخيص نقدي وتحذير رسمي.

 

الاقتصاد الزومبي

الخبير الاقتصادي الإسرائيلي شير هيفر قال إن تعبئة الحرب على قطاع غزة أسهمت في إبقاء الاقتصاد الإسرائيلي في حالة عمل ظاهرية، رغم افتقاره إلى أي آفاق مستقبلية حقيقية، واصفًا إياه بـ”الاقتصاد الزومبي” الذي يتحرك دون وعي بأزمته المتفاقمة أو نهايته الوشيكة.

جاء ذلك في مقابلة مطولة أجراها موقع “972+” الإسرائيلي مع هيفر، الذي يدرس الجوانب الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ويشغل منصب مدير “تحالف العدالة بين الإسرائيليين والفلسطينيين”، حيث تناول خلالها تداعيات الحرب المستمرة على بنية الاقتصاد الإسرائيلي ومؤشراته الأساسية.

وأوضح هيفر أن الحرب على غزة تسببت في صدمات اقتصادية واسعة، من بينها تهجير عشرات الآلاف من الأسر من المناطق الحدودية مع غزة ولبنان، وتعرض تلك المناطق لأضرار مباشرة نتيجة الصواريخ والقذائف، ما انعكس سلبًا على الإنتاجية والنشاط الاقتصادي.

وأشار إلى أن تجنيد نحو 300 ألف جندي احتياط لفترات طويلة أحدث نقصًا حادًا في القوى العاملة، وتسبب في خسارة كبيرة لأيام العمل والتدريب، لا سيما في القطاعات التي تعتمد على العمالة المؤهلة.

وأضاف أن الطبقة الوسطى المتعلمة باتت تفكر جديًا في الهجرة، وقد غادرت بالفعل أسر ومواهب مهنية البلاد، في ظل ما وصفه باستحالة توفير بيئة آمنة ومستقرة لتربية الأطفال.

وبيّن هيفر أن من أبرز مؤشرات الأزمة الاقتصادية قيام عدد كبير من الإسرائيليين بنقل مدخراتهم إلى الخارج، خشية التضخم وتراجع قيمة العملة، فضلًا عن خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل وارتفاع مخاطر الاستثمار.

كما حذّر من أن تحويل الإيرادات العامة لتمويل الحرب أدى إلى تراجع جودة الخدمات العامة والتعليم العالي، واقتراب الاقتصاد من الوقوع في “فخ الديون”.

ولفت إلى أن سمعة "إسرائيل" الدولية باتت “سامة”، في ظل تصاعد غير مسبوق في حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، مؤكدًا أن الاقتصاد الإسرائيلي بات يعتمد بشكل مفرط على الإنفاق العسكري والائتمان الأجنبي، من دون وجود خطة اقتصادية مستدامة للمستقبل.

وفيما يتعلق بالموازنة العامة، قال هيفر إن الحكومة أقرت ميزانية لا تعكس الحجم الحقيقي للنفقات المرتبطة بالحرب، ما أدى إلى انفلات الدين العام عن السيطرة.

وأضاف أن الصفقات الكبيرة في قطاع التكنولوجيا توحي بقوة الاقتصاد، لكنها في الواقع تخفي تراجعًا حادًا في الابتكار والاستثمار، حيث يقوم موظفو هذا القطاع ببيع أسهمهم لشركات أجنبية وتحويل الأموال إلى خارج البلاد.

وحول ازدهار سوق الأسهم واستقرار سعر صرف الشيكل، أوضح هيفر أن زيادة رواتب جنود الاحتياط أسهمت في ضخ سيولة في السوق المالية، إذ يعمد هؤلاء إلى استثمار أموالهم في الأسهم لعدم قدرتهم على إنفاقها خلال وجودهم في غزة، في محاولة لحماية مدخراتهم، ما ساهم في تكوين فقاعة اقتصادية.

وأضاف أن البنك المركزي الإسرائيلي تدخل ببيع كميات كبيرة من الدولار لإعطاء انطباع بالاستقرار، واصفًا ذلك بأنه “تلاعب في السوق” لإدارة الأزمة مؤقتًا.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى تدهور المستوى المعيشي وارتفاع معدلات الفقر، موضحًا أن تكلفة الحرب أثقلت كاهل غالبية الأسر الإسرائيلية وزادت من مديونيتها. واستشهد بتقرير منظمة “لاتِت” الإسرائيلية غير الحكومية، الذي أظهر ارتفاعًا كبيرًا في نسبة من يعانون من انعدام الأمن الغذائي خلال الحرب.

كما حذر من أن إعلان وزارة المالية عن التكاليف الحقيقية للحرب، ومقارنتها بما ورد في ميزانية عام 2025، قد يؤدي إلى فقدان ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية بالاقتصاد الإسرائيلي، ما ينذر بتداعيات أعمق في المرحلة المقبلة.

 

تحذيرات رسمية

وفي سياق موازٍ، أصدر "بنك إسرائيل"، قبل أيام، َدراسة شاملة تحذر من تمرير قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية لأتباع التيار الحريدي. وتأتي هذه الدراسة بعد يوم واحد من نشر مقالات تحذر من تخصيص ميزانية ضخمة لوزارة الأمن على حساب الوزارات الخدماتية، وما يشكله ذلك من خطورة على استمرارية النشاطات الاقتصادية.

اعتمدت الدراسة على معطيات حقيقية لتسليط الضوء على العبء الاقتصادي الحالي، حيث أشارت إلى أن تكلفة تجنيد جندي احتياط في الثلاثينيات من عمره تصل إلى 38 ألف شيكل شهرياً. وبناءً على ذلك، حذرت الدراسة من أن تطبيق خطة الجيش التي تتمحور حول تجنيد 40 ألف جندي احتياط سنوياً ستؤثر سلباً وبشكل كبير على القطاع الاقتصادي.

في المقابل، قدم "بنك إسرائيل" أرقاماً واضحة حول المكاسب الاقتصادية المتوقعة من تجنيد الشباب الحريدي:

  • 9 مليارات شيكل سنوياً: هو التوفير المتوقع في التكلفة الاقتصادية لتجنيد الاحتياط، في حال تم تجنيد شاب حريدي للخدمة الإلزامية على مدار 32 شهراً، مما سيؤدي إلى تقليص الأعباء على جيش الاحتياط وتقليل أيام الخدمة العسكرية.

- 14 مليار شيكل سنوياً: هو التوفير الذي يمكن تحقيقه في حال مشاركة الجنود الحريديم في سوق العمل أيضاً، مما يؤكد على الأهمية الاقتصادية القصوى لدمج هذه الشريحة في الخدمة وسوق العمل.

وصفت الدراسة صيغة مقترح التجنيد الذي أعده رئيس لجنة الخارجية والأمن، بوعز بسموت، بأنه "سيئ" ولا يؤدي إلى حل أزمة النقص في الجنود التي يعاني منها الجيش، ولا يلبي الاحتياجات الأمنية لإسرائيل.

وطالب بنك "إسرائيل" المستوى السياسي بإعادة صياغة مقترح التجنيد مرة أخرى بما يتناسب مع الاحتياجات الأمنية وقدرة القطاع الاقتصادي على تحمل تداعيات تجنيد الآلاف من جنود الاحتياط.

كما ادعى البنك أن تجنيد 4900 جندي سنوياً من التيار الحريدي حسب صيغة بسموت لا يكفي لحل الأزمات الأمنية والاقتصادية، وطالب بزيادة العدد إلى 7500 جندي سنوياً، إلى جانب زيادة المزايا وتشديد العقوبات على الرافضين لأداء الخدمة العسكرية.

واعتمد التقرير على حقيقة التحول الديموغرافي في "إسرائيل"، حيث تطرق إلى زيادة عدد السكان الحريديم لتصل نسبتهم إلى 18% من العدد الإجمالي للسكان، خلافاً لما كانت عليه قبل عقود حيث لم تتجاوز نسبتهم 3%.

هذا التحول حول قضية التجنيد إلى قضية ملحة لها تداعيات اقتصادية وأمنية مباشرة على "إسرائيل"، خصوصاً بعد الحرب على غزة.

وبين توصيف شير هيفر للاقتصاد الإسرائيلي كـ"اقتصاد زومبي" يعتمد على الإنفاق العسكري والديون، وتحذيرات "بنك إسرائيل" الرسمية من استنزاف الاحتياط وتداعيات أزمة التجنيد، تتقاطع القراءتان عند نتيجة واحدة: الحرب على غزة لم تخلق أزمة مؤقتة فحسب، بل كشفت هشاشة بنيوية تهدد استدامة الاقتصاد الإسرائيلي وقدرته على التعافي في المدى المتوسط والبعيد.

اخبار ذات صلة