يتصاعد الرفض الفلسطيني لمشروع ما يُعرف بـ "عابر إسرائيل"، الشارع الذي بدأ كمشروع حكومي في إسرائيل لكنه بات محور احتجاجات واسعة بسبب مصادرته لأراضٍ فلسطينية على نطاق واسع في الأراضي المحتلة عام 1948، وتمتد حاليًا بالقرب من الخط الفاصل مع الضفة الغربية المحتلة عام 1967.
المشروع الذي تنفذه شركة حكومية تحت اسم "عابر إسرائيل" مرتبط ببنية تحتية أكبر تعرف بـ "شارع 6"، ويمتد لما يقرب من 300 كم من الشمال إلى الجنوب، مرورًا ببلدات فلسطينية داخل الخط الأخضر.
مصادرات الأراضي
وينظر الفلسطينيون إلى المشروع كأداة لاستيطان مصادرة للأراضي الزراعية الخاصة، إذ يلتهم، بحسب تقديرات ناشطين، مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الفلسطينية ذات الملكية الخاصة، ويعترض أصحاب الأرض على عدم وجود تعويض عادل "أرض مقابل أرض"، وهو ما دفعهم للاحتجاج ووقفات شعبية في مناطق من الجليل والداخل الفلسطيني المحتل.
ونظم أهالي منطقة المثلث الفلسطيني في الأيام الماضية مظاهرة حاشدة احتجاجًا على المشروع، شملت إغلاقًا جزئيًا للطرق، مطالبين بوقف المصادرة التي يرون أنها تستهدف أراضٍ زراعية تعود ملكيتها لأسر فلسطينية في طمرة وجديدة المكر وشفاعمرو وغيرها من القرى.
ويشير المعترضون إلى أن مخططات المصادرة في مراحل المشروع لا تتيح لأصحاب الأرض المطالبة بأي تعويضات بديلة بنحو يحترم حقوقهم، وأن التعويضات المقترحة من قبل سلطات "دائرة أراضي إسرائيل" لا ترقى لمستوى التعويض الحقيقي عن الخسائر، فيما يتم تنفيذ الجزء الأكبر من المشروع تحت حجج "صالح الدولة" مما يمنح الجهات القائمة صلاحيات واسعة لتجاوز الاعتراضات القانونية.
ويبلغ عرض الشارع في بعض مراحله ما لا يقل عن 100 مترًا، فيما يرى نشطاء أن ما يصادره المشروع من الأراضي الفلسطينية في مراحله الحالية والسابقه يصل إلى عشرات الآلاف من الدونمات.
كما أن الشارع يربط اليوم مناطق في الداخل الفلسطيني ببعضها، ويمتد تجاه الضفة الغربية المحتلة، ملامسًا حدود مناطق مثل قلقيلية وطولكرم.
وجاءت هذه الاحتجاجات في وقت تتزايد فيه التقارير الدولية عن واقع مصادرات الأراضي في الضفة الغربية والاحتلال الإسرائيلي لبنى تحتية جديدة توصل إلى تجزئة أراضٍ فلسطينية بذريعة مشاريع طرق وبنى تحتية، مما أثار قلقًا واسعًا من أن تكون هذه الخطوات جزءًا من سياسات تهدف إلى مزيد من تفتيت الأراضي الفلسطينية وتقويض وحدتها. وأعرب مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عن قلق عميق من تقارير عن بناء طرق وحواجز في قلب الضفة الغربية، واستيلاء على مئات الدونمات من الأراضي الزراعية الفلسطينية، محذرًا من أن هذه الإجراءات ستؤدي إلى تجزئة المجتمعات الفلسطينية وزيادة صعوبة الوصول إلى أراضيهم ومزارعهم.
وقد خاض أصحاب الأراضي المتضررين اعتصامات ومناشدات قانونية في محاكم إسرائيلية للتصدي للمخطط، لكنهم واجهوا صعوبات، إذ تعتبر السلطات أن المشروع يخضع لصلاحيات وزير النقل والمواصلات الإسرائيلي الذي يمكنه إصدار مرسوم بالمصادرة دون اعتراضات أو تعويضات فعالة.
ويمثّل المشروع بالنسبة للفلسطينيين جزءًا من سياسة أوسع لطرد السكان الأصليين من أراضيهم وتوسيع بنى تحتية تخدم المستوطنين والجغرافيا الإسرائيلية على حساب حقوق أصحاب الأرض، في وقت يتزايد فيه نشاط الاحتلال في تصنيف الأراضي وتوسيع النفوذ على الأرض في الضفة الغربية والداخل المحتل.
مشروع استيطاني
ويقول سليمان فحماوي إن شركة "عابر إسرائيل" لم تُنشأ كمؤسسة بنى تحتية عادية، بل أُقيمت خصيصًا لتنفيذ مشروع "شارع 6"، وهو مشروع واحد من حيث الشكل، لكنه في جوهره مشروع استيطاني مصادراتي ضخم يعادل عشرات المشاريع مجتمعة من حيث حجم الأرض التي يلتهمها وتأثيره على الجغرافيا الفلسطينية في الداخل المحتل.
ويوضح فحماوي أن الشركة حكومية بالكامل، تأسست عام 1993، وتتمثل مهمتها الحصرية في شق شارع 6 واستكماله حتى مراحله النهائية، مشيرًا إلى أن الشارع صُمم ليكون شارعًا تجاريًا سريعًا ومدفوع الأجر، يربط جنوب البلاد بشمالها، بحيث يُلزم كل من يستخدمه بدفع رسوم مرور، ما يحوّله إلى مشروع ربحي على حساب أراضٍ فلسطينية مصادرة.
ويضيف أن طول الشارع يصل إلى نحو 300 كيلومتر، بينما لا يقل عرضه في كثير من المقاطع عن 100 متر، وهو ما يعني عمليًا مصادرة ما لا يقل عن 300 ألف دونم من الأراضي الزراعية، معظمها أراضٍ فلسطينية خاصة، كانت تشكّل مصدر رزق أساسي لأصحابها.
ويشدد فحماوي على أن تأثير شارع 6 كان كارثيًا على قرى الداخل الفلسطيني، إذ صادرت مراحله السابقة آلاف الدونمات في بلدات مثل عرعرة، كفر قرع، جت، باقة الغربية، إلى جانب قرى ومدن فلسطينية أخرى، مؤكدًا أن هذه المصادرات لم تكن استثناءً، بل جزءًا من مسار متواصل يستهدف الأرض الفلسطينية بشكل ممنهج.
وبحسب فحماوي، فإن المشروع دخل اليوم مراحل جديدة تستكمل مساره عبر مناطق أخرى، وهو ما يعني مصادرة آلاف الدونمات الإضافية، الأمر الذي دفع أصحاب الأراضي المتضررين إلى الاحتجاج والاعتصام، والمطالبة على الأقل بتعويض عادل يقوم على مبدأ “أرض مقابل أرض”.
إلا أن فحماوي يؤكد أن هذا المطلب قوبل بالرفض، قائلًا إن المشروع في جوهره مشروع مصادرة لا يعترف بحقوق الملكية الفلسطينية، لذلك لا يمكن، وفق منطق الجهات المنفذة، تعويض الأرض بأرض. وبدلًا من ذلك، عرضت ما تُسمى "دائرة أراضي إسرائيل" تعويضات مالية وصفها بـالبائسة، لا تتناسب مع قيمة الأرض المصادرة ولا مع حجم الخسائر، وهو ما رفضه أصحاب الأراضي بشكل قاطع.
ويلفت إلى أن شركة "عابر إسرائيل"، بالتنسيق مع "دائرة أراضي إسرائيل"، تلجأ أحيانًا إلى أساليب ملتوية في ملف التعويض، كما حدث في مدينة شفاعمرو، حيث جرى تعويض أحد أصحاب الأراضي بعشرة دونمات تقع ضمن أراضٍ مصنفة على أنها "حارس أملاك الغائبين"، وهو ما يضع المتضرر أمام مخاطر قانونية مستقبلية، نظرًا لأن هذه الأراضي ليست ملكًا خاصًا ثابتًا ويمكن سحبها في أي وقت.
ويشير فحماوي إلى أن أصحاب الأراضي خاضوا خلال السنوات الماضية سلسلة من الاعتصامات والتحركات الشعبية، إلى جانب محاولات قانونية عبر التوجه إلى المحاكم الإسرائيلية، إلا أن جميع هذه الجهود باءت بالفشل.
ويعزو ذلك إلى أن المحاكم تتعامل مع المشروع على أنه "مشروع لصالح الدولة"، ما يمنح شركة "عابر إسرائيل" غطاءً قانونيًا كاملًا. ويوضح أن المشروع يستند إلى صلاحيات واسعة يمنحها القانون الإسرائيلي لوزير النقل والمواصلات، تخوّله إصدار مراسيم مصادرة دون إمكانية الاعتراض الفعلي، ودون إلزام بتعويض عادل.
وفيما يتعلق بمسار الشارع، يؤكد فحماوي أن "شارع 6" وصل في مراحله الحالية من كفر قاسم ووادي عارة باتجاه قلقيلية وطولكرم في الضفة الغربية المحتلة.
ويضيف أن هذا الامتداد يجعل الشارع خطًا فاصلًا في بعض مراحله بين أراضي عام 1948 وأراضي عام 1967، حيث يسير بمحاذاة جدار الفصل العنصري في منطقة طولكرم، وبمسافة لا تتجاوز أحيانًا أمتارًا قليلة، ما يعمّق الفصل الجغرافي ويعزز سياسات العزل والتقطيع للأراضي الفلسطينية.
المصدر : وكالة شهاب و كالة الصحافة الفلسطنينة "صفا"