تقرير – شهاب
في تصعيد خطير يهدد بانهيار اتفاق وقف إطلاق النار، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب خروقات جسيمة في قطاع غزة، كان آخرها قصف مدرسة تؤوي نازحين في حي التفاح شرقي مدينة غزة، خارج نطاق المناطق التي يُفترض أن تخضع للترتيبات الأمنية وفق الاتفاق، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من الفلسطينيين، بينهم أطفال ونساء.
وبحسب مصادر ميدانية، استهدفت قوات الاحتلال مساء الجمعة مدرسة تعليمية تقع في محيط مستشفى الدرة، كانت تؤوي عشرات العائلات النازحة، ما أدى إلى استشهاد خمسة مواطنين، بينهم سيدة وطفلة، وإصابة آخرين بجروح متفاوتة.
وأكدت المصادر أن قوات الاحتلال منعت طواقم الإسعاف والدفاع المدني من الوصول إلى موقع القصف لأكثر من ساعتين، الأمر الذي أعاق عمليات إجلاء الشهداء وإسعاف المصابين، وترك الجرحى ينزفون دون تدخل طبي.
هذا ما جرى في حي التفاح شرق مدينة غزة يأتي ضمن حلقة في سلسلة طويلة من الخروقات الإسرائيلية التي رافقت اتفاق وقف إطلاق النار منذ لحظته الأولى.
وبينما تتصاعد التحذيرات الحقوقية من انهيار كامل للاتفاق، وتُسجَّل مئات الخروقات وآلاف الشهداء، يقف المجتمع الدولي في موقع المتفرج، تاركًا المدنيين في غزة وحدهم في مواجهة آلة قتل لا تتوقف، ومدارسهم وملاجئهم تتحول تباعًا إلى شواهد على صمت عالمي يقتل بقدر ما تفعل القذائف.
وفي ظل صمت الوسطاء وتراجع الضغط الدولي، تتكرّس سياسة الإفلات من العقاب، بينما يُستخدم "وقف إطلاق النار" غطاءً لمواصلة الاغتيالات، ومنع الدواء والغذاء، وقصف المناطق المكتظة بالسكان، في مشهد يعيد إنتاج الحرب بأدوات أقل صخبًا، لكن بضحايا لا يقل عددهم ولا ألمهم.
قصف ممنهج
الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد حاتم كريم الفلاحي، قال إن حكومة الاحتلال الإسرائيلي تمارس "عربدة" عسكرية في قطاع غزة دون محاسبة، مؤكدا أن القصف اليومي يشكّل عملا ممنهجا وليس مجرد أخطاء عابرة.
وأوضح الفلاحي، أن عدم وجود أطر ثابتة لوقف إطلاق النار وغياب المحاسبة يشجعان الاحتلال الإسرائيلي على الاستمرار في خرق اتفاق وقف الحرب على القطاع.
ولفت الخبير العسكري إلى أن القذيفة المدفعية الواحدة يمكن أن تتشظى لتصل إلى أكثر من 250 مترا، محدثة خسائر كبيرة في الأرواح، خاصة عندما تكون المنطقة مكتظة بالسكان.
وأكد الفلاحي أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بجميع بنود اتفاق وقف إطلاق النار منذ البداية، حيث يشهد قطاع غزة يوميا عمليات قصف جوي وإطلاق نار باستخدام المدفعية، وأن هذا النهج الإسرائيلي يمتد إلى الجبهة السورية واللبنانية، رغم وجود اتفاقات لوقف إطلاق النار.
وأوضح الفلاحي أن الاحتلال يمنع دخول الدواء والمواد الغذائية والخيام إلى غزة، ويقوم بعمليات اغتيالات بالقطاع دون محاسبة.
وحذر من أن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية– واليمين المتطرف يريدان استئناف العمليات العسكرية بحجة "تحقيق أهداف الحرب" في غزة، ويحاولان خلق ذرائع لاتهام حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بخرق الاتفاق.
ولفت الفلاحي إلى أن كثيرا من الدول ترفض أو تتردد في إرسال قوات للمنطقة، لأنها تعرف جيدا أن "إسرائيل" لن تلتزم باتفاق وقف إطلاق الحرب.
وأشار إلى أن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) رصدت آلاف الخروقات الجوية الإسرائيلية، ما يثير المخاوف من تكرار السيناريو في غزة.
تحذير من انهيار الاتفاق
كما حذّر مركز حماية لحقوق الإنسان من انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، على خلفية استمرار خروقات قوات الاحتلال الإسرائيلي، كان آخرها قصف مدرسة تؤوي نازحين في حي التفاح شمال شرقي مدينة غزة.
وقال المركز، إن قوات الاحتلال قصفت مدرسة “مبنى تابع للتعليم” تقع في محيط مستشفى الدرة، ما أسفر عن استشهاد خمسة مواطنين، بينهم سيدة وطفلة، وإصابة عدد آخر بجروح متفاوتة.
وبحسب المعلومات التي حصل عليها مركز حماية من طواقم الدفاع المدني والهلال الأحمر الفلسطيني، فإن قوات الاحتلال منعت فرق الإنقاذ من الوصول إلى مكان القصف، الأمر الذي أعاق عمليات انتشال الضحايا وإسعاف المصابين.
وأشار المركز إلى أن عدد الشهداء الذين سقطوا جراء انتهاكات قوات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار، منذ بدء سريانه في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، ارتفع إلى نحو 400 شهيد، إضافة إلى أكثر من ألف مصاب.
وأكد “حماية” أن استهداف المدنيين والنازحين، وقصف منشأة تعليمية تقع بالقرب من مرفق طبي، يشكل انتهاكًا صارخًا لأحكام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، ويعكس ما وصفه بـ”استهتار” قوات الاحتلال ببنود اتفاق وقف إطلاق النار.
وحمّل المركز حكومة الاحتلال وقيادة جيشه المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم وتداعياتها الخطيرة على حياة المدنيين، معتبرًا أن صمت الوسطاء والمجتمع الدولي يشجع على استمرار هذه الانتهاكات.
وطالب مركز حماية الوسطاء والمجتمع الدولي والأمم المتحدة باتخاذ إجراءات فورية وفاعلة لوقف الخروقات الإسرائيلية، وضمان احترام اتفاق وقف إطلاق النار، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين.
كما دعا مجلس حقوق الإنسان إلى فتح تحقيق مستقل في الجريمة، مطالبًا المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بضمها إلى التحقيقات الجارية في الحالة الفلسطينية.
إدانة فلسطينية
فيما أدانت الفصائل الفلسطينية المجزرة الجديدة ومواصلة الاحتلال خرق الاتفاق رغم التزام المقامة بالاتفاق.
وقالت حركة حماس، إن القصفُ المدفعي الذي نفّذه جيشُ الاحتلال على مدرسة تؤوي نازحين في حيّ التفاح شرق مدينة غزة، وأسفر عن استشهاد عددٍ من المواطنين معظمهم من الأطفال، جريمةٌ وحشية وخرقٌ فاضح لاتفاق وقف إطلاق النار.
وأضافت الحركة، أن تواصل حكومةُ الاحتلال انتهاكاتها المتعمّدة للاتفاق، ما أدى إلى ارتقاء أكثر من 400 شهيد منذ الإعلان عنه، وسط صمتٍ دوليٍّ مريب.
وأدانت حركة المجاهدين الفلسطينية، بأشد العبارات الجريمة الجبانة التي ارتكبها العدو الصهيوني باستهداف مدرسة شهداء غزة التي تؤوي نازحين في حي التفاح شرق مدينة غزة، ما أدى إلى ارتقاء عدد من المدنيين، معظمهم من الأطفال، في مجزرة وحشية جديدة تُرتكب في ظل صمت دولي مريب.
وأكدت أن هذه الجريمة تأتي في سياق الانتهاكات المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي التزمت به فصائل المقاومة الفلسطينية، بينما تنصل منه العدو منذ اليوم الأول وعلى كافة المستويات، محملة الإدارة الأمريكية المسؤولية الكاملة عن جرائم العدو وانتهاكاته، مطالبين إياها بلجمه بدل الاستمرار في توفير الغطاء السياسي لجرائمه.
ميدانيًا، واصلت قوات الاحتلال اعتداءاتها، حيث أطلقت نيرانها باتجاه المناطق الشرقية لمدينة خان يونس جنوب القطاع، بالتزامن مع قصف مدفعي وإطلاق نار من مروحيات الاحتلال شرقي مدينة غزة. كما نفّذ عمليات نسف جديدة في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة.
كما أفادت مصادر محلية بانهيار مبنى شرقي مستشفى القدس في منطقة تلّ الهوا غربي مدينة غزة، نتيجة الأضرار البالغة التي لحقت به جرّاء قصف سابق، إضافة إلى انهيار مبنى مكوّن من أربعة طوابق في مخيم الشاطئ غرب المدينة، في ظل المنخفض الجوي والأضرار المتراكمة بفعل العدوان.
ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، تواصل حكومة الاحتلال خروقاتها للاتفاق الذي أنهى حرب الإبادة الإسرائيلية في القطاع، وارتكبت نحو 738 خرقا، وقتلت 400 فلسطيني، وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
وخلّفت حرب الإبادة الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أكثر من 70 ألف شهيد و171 ألف مصاب، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا هائلا مع كلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.