كشفت وثيقة تاريخية تعود إلى عام 1941 أن ديفيد بن غوريون، الذي أصبح لاحقًا أول رئيس وزراء لدولة الاحتلال الإسرائيلي، كان مسجّلًا رسميًا كمواطن فلسطيني وفق سجلات الانتداب البريطاني، وذلك قبل سنوات من إعلان قيام دولة الاحتلال.
وتتمثل الوثيقة في تأشيرة عبور بريطانية لرحلة واحدة إلى الهند، وتُظهر أن بن غوريون، المولود في بولندا، كان يُعامل قانونيًا بصفته مواطنًا فلسطينيًا، استنادًا إلى القوانين والأنظمة المعمول بها في فلسطين إبّان فترة الانتداب. وتبرز هذه الوثيقة مفارقة تاريخية لافتة، بالنظر إلى الدور الذي اضطلع به بن غوريون لاحقًا في تأسيس دولة الاحتلال وقيادته للمشروع الصهيوني الذي ارتبط بارتكاب مجازر واسعة وتهجير الفلسطينيين.
ويُعد ديفيد بن غوريون من أبرز قادة الحركة الصهيونية ومهندسي قيام دولة الاحتلال، إذ تولّى رئاسة أول حكومة إسرائيلية عقب نكبة عام 1948، وقاد المشروع الصهيوني سياسيًا وعسكريًا خلال مرحلة مفصلية انتهت باحتلال الأرض الفلسطينية وتشريد سكانها الأصليين.
وُلد بن غوريون عام 1886 في بولندا، وتأثر منذ بداياته الفكرية بالأفكار الصهيونية والاشتراكية، قبل أن يتبنّى ما عُرف بـ"الصهيونية العملية"، التي قامت على فرض الوقائع على الأرض عبر الاستيطان المنظّم، وتشجيع الهجرة اليهودية، وبناء القوة المسلحة، مستلهمًا أطروحات ثيودور هرتزل ومقررات المؤتمرات الصهيونية المبكرة.
هاجر إلى فلسطين عام 1906، وشارك في النشاط الاستيطاني والتنظيمي، وأسهم في إنشاء مؤسسات الحركة الصهيونية العمالية، وعلى رأسها اتحاد العمال المعروف بـ"الهستدروت". كما شغل لاحقًا مواقع قيادية في الوكالة اليهودية، ولعب دورًا محوريًا في تنظيم الهجرة اليهودية وتوسيع الاستيطان، بالتوازي مع التنسيق مع سلطات الانتداب البريطاني لتنفيذ مضمون وعد بلفور.
وخلال الحرب العالمية الثانية، انتهج بن غوريون سياسة مزدوجة تمثلت في دعم بريطانيا عسكريًا، مقابل الاستمرار في تحدي القيود التي فرضتها على الهجرة اليهودية، في سياق التمهيد لإقامة كيان يهودي مستقل في فلسطين.
ومع صدور قرار تقسيم فلسطين عام 1947، قاد بن غوريون التحضيرات السياسية والعسكرية التي سبقت حرب عام 1948، والتي ترافقت مع ارتكاب مجازر واسعة النطاق وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم.
وبعد إعلان قيام دولة الاحتلال، تولّى بن غوريون منصبي رئيس الوزراء ووزير الدفاع، وعمل على دمج العصابات الصهيونية المسلحة في إطار جيش واحد، وواصل سياسات التوسع والعدوان، بما في ذلك العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، إلى جانب رفضه عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، ودعمه فرض الحكم العسكري على الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948.
وفي ستينيات القرن الماضي، بدأ بن غوريون بالانسحاب التدريجي من الحياة السياسية، قبل أن يتوفى عام 1973، ويُدفن في صحراء النقب. ولاحقًا، أُطلق اسمه على مطار اللد وعدد من الشوارع والمؤسسات داخل دولة الاحتلال، في إطار تكريس مكانته الرمزية ضمن الرواية الصهيونية الرسمية.