تقرير خاص / شهاب
منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، يعيش سكان غزة حلمًا بسيطًا لكنه بعيد المنال: الحصول على أسطوانة غاز للطهي. بالنسبة للكثيرين، ليست مجرد أسطوانة، بل رمز للكرامة اليومية والقدرة على الحياة الطبيعية. فهي تمنحهم القدرة على إعداد وجبات مختلفة لا يمكن طهوها على النار المفتوحة أو البدائل البدائية، وتعيد بعض الإنسانية إلى حياة توقفت فجأة تحت وطأة الحرب.
في كل منزل، تتحرك الحياة اليومية حول انتظار هذه الأسطوانة. الأطفال يسألون عن الطعام، النساء تبحث عن وسائل للطهي، والرجال يحاولون توفير لقمة كريمة. الأسطوانة، التي قد تبدو للبعض مجرد سلعة، تعني هنا أكثر من مجرد طعام؛ إنها فرصة لاستعادة جزء من حياة طبيعية، وحرية الطهي، وكرامة الإنسان في أبسط تفاصيل يومه.
إحباط والقلق
لكن هذا الحلم، كما يقول معظم سكان القطاع، لا يزال بعيد المنال. رغم وعود إدخال شحنات جديدة، لا تزال الكميات محدودة جدًا، فلا يجد معظم الأسر سوى انتظار طويل، أو اللجوء إلى بدائل بدائية، أو مواجهة السوق السوداء بأسعار مرتفعة، وسط شعور دائم بالإحباط والقلق على الحياة اليومية.
يصف مهدي أبو عون الواقع بكل بساطة مريرة: "نسجل أسمائنا على الروابط الرسمية ونراجع الكشوفات كل أسبوع، لكن لا شيء يتغير، ننتظر دورنا منذ أسابيع طويلة، وفي كل مرة نسمع عن شحنات جديدة نشعر ببصيص أمل، لكن سرعان ما يتحول إلى إحباط. أشعر أن الوقت يتوقف ونحن لا نملك شيئًا لنقدمه لأطفالنا."
ويروي مهدي كيف أصبح الانتظار جزءًا من حياته اليومية: الأطفال يسألون عن الطعام، وزوجته تحاول أن تبعد القلق عنهم، لكنه يعترف أن الضغط النفسي أصبح ثقيلاً على الجميع. "أحيانًا أرى الجيران يحصلون على أسطوانة بسهولة، بينما نحن ننتظر. هذا يزيد شعورنا بالقلق واليأس، وكأن حياتنا معلقة على حبال من الانتظار."
في حين يقول جميل أبو دية، النازح في مخيم النصيرات، إن غاز الطهي نادر جدًا، والكميات التي تدخل القطاع ضئيلة للغاية، موضحًا أنه اضطر لاستخدام بدائل بدائية مثل الحطب والفحم منذ ما يزيد عن عام ونصف.
ويقول: "نشتري الحطب بسعر مرتفع جدًا، نحو خمسة شواكل للكيلوغرام الواحد، وهذا عبء إضافي على دخلنا المحدود. نضطر لإشعال النار يوميًا، وهذا مرهق ويخيفنا أحيانًا، خاصة مع الأطفال الصغار الذين يقتربون من النيران."
ويصف أبو دية كومة من المخاطر التي تجول في عقله طوال اليوم مع إشعال النار كل يوم، فهو يخشى حدوث الحرائق أو الحوادث المحتملة التي قد تعرض النساء والأطفال إلى الخطر، علاوة على تعرضهم لأعباء إضافية مرهقة، سواء في الطهي أو في مراقبة النيران.
ويضيف: "حياتنا أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، فالبدائل البدائية ليست حلًا، بل مجرد وسيلة للبقاء على قيد الحياة، في ظل نقص الغاز وانعدام أي بدائل أكثر أمانًا."
طعام كامل الاستواء
أما ياسمين حمدان من دير البلح، فتواجه تحديًا إضافيًا يتمثل في تأثير نقص الغاز على التغذية اليومية لأطفالها الثلاثة. تقول: "الآن نصنع وجبات بسيطة جدًا، ونقلل من حجمها أحيانًا لنكفي الجميع، حتى نستطيع أن ننجز طهوها على النار والحطب، سيما وأن النار تنطفئ عشرات المرات في كل مرة طهو بسبب الرياح ورداءة أنواع الحطب."
وتتابع ياسمين: "منذ وقف إطلاق النار وأنا أحلم، كأي سيدة بغزة، أن أحصل على أسطوانة غاز وأعيد إشعال الغاز مجددًا لأطهو طعامًا حقيقيًا كامل الاستواء بطريقة الطهي التي يعرفها العالم كله، وليس بطريقة الطهي على الحطب التي فرضتها الإبادة."
وتضيف: "أخشى أن يأتي رمضان مجددًا للعام الثالث على التوالي ونحن ما زلنا بدون 'غاز' للطهي، فنضطر إلى إلغاء وجبة السحور نظرًا لعدم مقدرتنا على إشعال النار في ليالي البرد القارس، سيما وأنني أحتاج إلى مساعدة في إشعال النار ومراقبة الصغار بعد أن فقدت وزوجي في بداية الحرب شهيدًا."
وفق مكتب الإعلام الحكومي، يحتاج قطاع غزة في الظروف الطبيعية إلى ما بين 400 و500 طن من الغاز يوميًا لتلبية احتياجات السكان والمخابز والمطاعم والمستشفيات. لكنّ ما يدخل فعليًا منذ بدء الهدنة لا يتجاوز 120 إلى 150 طنًا في أفضل الأيام—أي أقل من ثلث الاحتياج الأساسي.
هذه الفجوة الهائلة لا تُراكم فقط العجز داخل المنازل ومحطات التعبئة، بل مهّد أيضًا لولادة سوق سوداء تتغذّى على الندرة، وتعيد تشكيل قيمة الغاز كسلعة نادرة، تُباع وتُخزَّن كما لو كانت دواءً لا يمكن التفريط به.
ويقول رئيس المكتب الحكومي، الدكتور إسماعيل الثوابتة، إن عدم التزام إسرائيل بإدخال الكميات المتفق عليها "أعاد القطاع إلى مربع الأزمة بالكامل"، موضحًا أن العمل في معبر كرم أبو سالم يسير بصورة غير منتظمة، وأن أي توقف للإمدادات، حتى ليوم واحد، ينعكس مباشرة على آلاف الأسر.
وتوضح الهيئة العامة للبترول في غزة أن عدد شاحنات الغاز الواردة إلى القطاع يتراوح ما بين 15 و23 شاحنة أسبوعياً في أفضل الظروف، في حين أن الاحتياج الفعلي للقطاع يصل إلى نحو 100 شاحنة أسبوعياً، مشيرة إلى أن متوسط حمولة الشاحنة الواحدة يبلغ نحو 20 ألف كيلوغرام، بما يعكس فجوة كبيرة بين الكميات المتاحة والاحتياج الحقيقي.
"تشوّه اقتصادي كامل"
وفي ما يتعلق بآلية التوزيع، أوضحت الهيئة أنه بعد خصم حصة المحطة، يجري توزيع باقي الكميات وفق كشوفات رسمية معتمدة للموزعين، مع متابعة يومية دقيقة لضمان العدالة والالتزام، وأكدت أن 93% من إجمالي الكميات الواردة تذهب مباشرة للمواطنين، في حين لا تتجاوز حصة المحطات والموزعين 6% فقط، وهي نسبة جرى تخفيضها مؤخراً لصالح المواطنين، خلافاً لما يجري تداوله من ادّعاءات.
وأشارت الهيئة إلى أنّ عدد المحطات العاملة في تعبئة الغاز يبلغ نحو 14 محطة، موزعة بواقع أربع محطات في شمال القطاع، و10 محطات في جنوب القطاع. وفي ما يخص المطاعم والمخابز، شدّدت الهيئة على أنه لا يجري تخصيص أي كميات رسمية لها، وأنها تشتري من السوق المحلية من حصة المحطات فقط، مع خفض الكميات المسموح بها من 100 إلى 30 أسطوانة، نظراً لشح الموارد، كما أكدت أن الفاقد التشغيلي لا يتجاوز 1% وأن صهاريج المحطات تخضع لفحوصات ورقابة فنية دورية، وأوضحت الهيئة أن سولار الشاحنات الناقلة يجري توفيره من الشركة الموردة وبسعر السوق المحلية، ولا علاقة له بكميات الغاز الواردة.
يُرجع الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب فى تصريح صحفي أن تفاقم الأزمة إلى ثلاثة عوامل أساسية: ندرة الإمدادات، غياب الرقابة الفاعلة، والارتفاع الكبير في الطلب الناتج عن النزوح الجماعي.
ويقول إن قلة الإمدادات قادت إلى "تشوّه اقتصادي كامل"، حيث تتسع السوق السوداء كلما تراجعت الكميات الرسمية، وتتضاعف الأسعار بما يتجاوز قدرة معظم العائلات.
ويؤكد أن استمرار الأزمة على هذا النحو يهدد بخلق تداعيات إضافية، مثل ارتفاع تكلفة الخبز وتعثر عمل المراكز التي تعتمد على الغاز في خدماتها الأساسية.