قائمة الموقع

بالفيديو مخرج يهودي أميركي بعد عامين في غزة: الفلسطينيون ليسوا إرهابيين ولم أخف سوى من القصف الإسرائيلي

2026-01-06T13:32:00+02:00
المخرج اليهودي موريس جاكوبسون
وكالة شهاب/ الجزيرة

لم يدخل موريس جاكوبسون قطاع غزة باعتباره يهوديًا أميركيًا يريد اختبار صورة “العدو” في الإعلام الغربي، بل دخل كمخرج وثائقي يبحث عن قصة ناقصة. وبعد قرابة عامين من الإقامة بين الناس، خرج بشهادة صادمة في بساطتها: الخوف الوحيد الذي عرفه هناك لم يكن من البشر، بل من القصف الإسرائيلي. شهادة لا تأتي من ناشط سياسي أو مناصر تقليدي للقضية الفلسطينية، بل من شخص عاش في قلب القطاع ولم يُخفِ هويته الدينية أو جنسيته لحظة واحدة.
يقول جاكوبسون إنه عاش بين الفلسطينيين في غزة، واستُقبل بترحيب كبير طوال فترة إقامته، ولم يشعر يومًا أنه مهدد بسبب كونه يهوديًا أميركيًا.
 ويضيف أن الخوف الذي سكنه كان الخوف ذاته الذي يعيشه جميع سكان القطاع، على اختلاف توجهاتهم وجنسياتهم: الخوف من الاحتلال الإسرائيلي، ومن القصف الذي قد يأتي في أي لحظة دون سابق إنذار.
“كان الناس منفتحين إلى حد مدهش، حريصين على الحديث عن أوضاعهم، على مشاركة تفاصيل حياتهم اليومية. لم أشعر بأي تهديد من أحد، لكنني كنت أخاف القصف الإسرائيلي، وأخاف أن لا أعرف متى ستقع الضربة التالية. (إسرائيل) كانت الشيء الوحيد الذي أخافه شخصيًا، مثل أي شخص يقيم في غزة”.
          صورة ناقصة في الإعلام الغربي
تعود علاقة جاكوبسون بفلسطين إلى ما يقارب ربع قرن، حين وصل إلى المنطقة للعمل على مشروع وثائقي للتلفزيون العام الأميركي بعنوان “القدس.. تاريخ حي”. خلال تلك الفترة التقى فلسطينيين في الضفة الغربية، وهناك بدأ يلاحظ الفجوة الكبيرة بين واقع حياتهم اليومية، وبين الصورة السائدة عنهم في الإعلام الغربي.
“شعرت أن قصة فلسطين، وغزة تحديدًا، لا تُروى كما هي في الغرب. وبوصفي صانع أفلام، شعرت بمسؤولية أن أقترب أكثر، وأن أستمع مباشرة إلى الناس”.
هذا الإحساس قاده لاحقًا إلى قطاع غزة، حيث عاش على فترتين: الأولى عام 2010، حين أمضى ما بين عام وعام ونصف، ثم عاد عام 2015 وبقي ما بين ستة وتسعة أشهر. وخلال تلك الإقامة لم يكن وجوده مقتصرًا على العمل الإعلامي، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية في الشوارع والمقاهي والبيوت والمستشفيات، محاولًا توثيق أكبر قدر ممكن من حياة الفلسطينيين.
“كنا نعيش في حالة خوف دائم من القصف. لم يكن أحد يعرف متى ستسقط القنبلة التالية. الفارق الوحيد بيني وبين سكان غزة أنني كنت أستطيع المغادرة بجواز سفري الأميركي، بينما لم يكن ذلك متاحًا لمعظم من حولي”.
                   حياة تحت القيود
خلال إقامته، تعامل جاكوبسون مع الحكومة التي تديرها حركة حماس باعتبارها السلطة القائمة على إدارة شؤون الناس، ويقول إن الواقع على الأرض كان أكثر تعقيدًا بكثير مما يُقدَّم عادة في الخطاب الإعلامي الغربي.
“كان واضحًا جدًا أن هناك ثلاثة أجنحة متميزة داخل حماس: جناح سياسي يعمل كأي حزب سياسي في العالم ويضع السياسات، وجناح إداري بيروقراطي وهو الأكبر، وكان مسؤولًا عن إدارة المدارس والمستشفيات وجمع القمامة وتنظيم الحياة اليومية، ثم هناك الأجنحة العسكرية”.
ويشير إلى أن الجناح الإداري كان يحظى باحترام واسع بين السكان لأنه كان يحاول إبقاء الحياة مستمرة في ظل حصار خانق وعقوبات قاسية.
ويستحضر مشهدًا لا يزال عالقًا في ذاكرته: “في إحدى مقابلاتي الأخيرة مع رئيس بلدية غزة، قال إن الحكومة السويدية تبرعت بشاحنات قمامة حديثة للمدينة، لكنها بقيت عالقة في ميناء أسدود ما بين ستة وتسعة أشهر، لأن إسرائيل لم تسمح بدخولها. لذلك كانت البلدية لا تزال تستخدم عربات تجرها الحمير لجمع القمامة”.
بالنسبة له، كان هذا المشهد تلخيصًا مكثفًا لكيفية إدارة الحياة تحت الحصار، وللسبب الذي يجعل السكان يقدّرون كل من يحاول تسيير شؤونهم اليومية رغم القيود.
                        انفجار بلا أفق
وفي في توصيفه لما جرى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يرى جاكوبسون أن غزة كانت تعيش داخل “قدر ضغط بصمام مغلق”. ويقول: “الناس، لا سيما الشباب، كانوا محاصرين اقتصاديًا وسياسيًا ونفسيًا. وعندما يتراكم الضغط دون أي أفق، يحدث الانفجار. السابع من أكتوبر كان انفجارًا”.
ويضيف أن ما تلا ذلك كان “ردًا إسرائيليًا غير متناسب تمامًا”، موضحًا: “ما فعلته (إسرائيل) بعد السابع من أكتوبر كان إبادة واضحة، وما نشهده اليوم هو إبادة بطيئة؛ الناس يعيشون في خيام، تحت المطر والبرد، دون أي مخرج. هذا شكل من أشكال التدمير الممنهج للحياة”.
ورغم كل ما شهده من مآسٍ، يؤكد أن أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرته هو الجانب الإنساني: “رغم اختلاف اللغة والثقافة، اكتشفت أننا متشابهون بشكل مذهل. لدينا الأحلام نفسها، والرغبة نفسها في مستقبل أفضل لأطفالنا”.
ويرفض بشكل قاطع ربط الفلسطينيين بالإرهاب، قائلًا: “لا يمكن ربط كلمة إرهابي بكلمة فلسطيني. هذا توصيف زائف، ولا يعكس الواقع الذي عشته. الفلسطينيون بشر يعيشون تحت حصار، لا صورة نمطية كما يُراد تقديمهم”.
                          واجب إنساني
واليوم، وهو خارج غزة، يشعر جاكوبسون بمسؤولية مضاعفة لنقل ما رآه وعايشه. لذلك يعمل منذ سنوات على إنتاج أفلام وثائقية تنقل حياة الفلسطينيين، من بينها فيلم “كلنا نعيش في غزة” الذي أنهى العمل عليه قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل أن تعيد الحرب صياغته من جديد من البداية.
ويختتم حديثه بالقول: “ما أفعله ليس تحليلًا سياسيًا، بل شهادة إنسان عاش التجربة. أشعر أن من واجبي أن أشارك هذه القصة، لأن الصمت يعني المشاركة في تشويه الحقيقة”.

اخبار ذات صلة