تقرير -شهاب
انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات السورية – الإسرائيلية، التي عُقدت في باريس يومي 5 و6 كانون الثاني/يناير 2026 برعاية الولايات المتحدة، بإعلان أميركي عن «اختراق» و«تقدم ملموس» في مسار الحوار بين الطرفين. وجاء هذا التوصيف بعد لقاءات ضمّت وفداً سورياً رفيع المستوى برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، مقابل وفد إسرائيلي، في إطار مسار ثلاثي رعته واشنطن.
المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، توم باراك، قدّم المفاوضات على أنها خطوة نوعية، مؤكداً أن دمشق لا تحمل نيات عدوانية تجاه إسرائيل، وأن الحكومة السورية الجديدة تسعى إلى علاقة تقوم على الاحترام والتعايش. كما أشار إلى أن إسرائيل أبدت استعداداً للتعامل مع القيادة السورية الحالية باعتبارها مختلفة عن النظام السابق، مع التركيز على الفرص الاقتصادية كمدخل لبناء علاقات طويلة الأمد.
لكن خلف هذا الخطاب المتفائل، بدت النتائج الفعلية محدودة. فالبيان المشترك الصادر عن الخارجية الأميركية لم يتضمن التزامات سياسية واضحة، واكتفى بالإعلان عن الاتفاق على إنشاء «آلية اتصال» للتنسيق الأمني والاستخباراتي والتجاري، تحت إشراف أميركي. ورغم الحديث عن احترام سيادة سورية وأمن إسرائيل، غابت عن البيان أي إشارة صريحة إلى جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي السورية المحتلة، أو إلى معالجة القضايا السيادية الأساسية.
الميدان يفضح هشاشة التفاهمات
التناقض بين ما أُعلن في باريس وما جرى على الأرض سرعان ما ظهر بوضوح. فبعد انتهاء الجولة مباشرة، نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي توغلات جديدة في ريف القنيطرة الجنوبي، ودمّرت منشآت مدنية، من بينها مشفى الجولان القديم، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية. هذه التطورات الميدانية أعادت طرح تساؤلات جدية حول معنى «خفض التصعيد» الذي تحدث عنه الجانب الأميركي.
في هذا السياق، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول سوري قوله إن المضي قدماً في الملفات الاستراتيجية غير ممكن من دون جدول زمني واضح وملزم لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024. وأكد المسؤول أن تعليق الأنشطة العسكرية الإسرائيلية شرط أساسي لإنجاح أي مسار تفاوضي، محذراً من استمرار إسرائيل في التعامل مع المفاوضات بعقلية توسعية تفرغها من مضمونها السياسي.
إسرائيل تفاوض بلا استعجال وتتمسك بالوقائع
في المقابل، تعكس المواقف الإسرائيلية، كما تظهر في التحليلات المنشورة في الصحافة العبرية، غياب أي شعور بضرورة التوصل إلى اتفاق عاجل مع دمشق. فبحسب تحليل لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، تنظر إسرائيل بشك عميق إلى القيادة السورية الجديدة، سواء من حيث استقرارها أو قدرتها على فرض سيطرتها على كامل الأراضي السورية، وهو ما تستخدمه ذريعة للإبقاء على انتشارها العسكري داخل المنطقة العازلة.
وترى إسرائيل في هذا الانتشار، الذي يشمل مواقع متقدمة في قمة جبل الشيخ والمثلث الحدودي مع الأردن، أداة ضغط وورقة تفاوضية أساسية، لا سيما في ظل رفضها القاطع لأي نقاش حول الجولان المحتل أو الانسحاب من المواقع التي احتلتها عام 2024. كما أن إرسال وفد تفاوضي منخفض المستوى إلى محادثات باريس، غير مخوّل باتخاذ قرارات حاسمة، يعكس توجهاً إسرائيلياً لإدارة المفاوضات كمسار شكلي، يهدف إلى كسب الوقت وامتصاص الضغط الأميركي، أكثر من كونه مدخلاً لتسوية حقيقية.
ختاما، تكشف جولة باريس أن الحديث عن «اختراق» يبقى حتى الآن أقرب إلى توصيف سياسي أميركي منه إلى واقع تفاوضي متماسك. فإسرائيل، رغم مشاركتها في المحادثات، لا تبدو مستعدة لدفع ثمن سياسي أو أمني حقيقي، وتكتفي بإدارة المفاوضات ضمن سقف ضيق يحفظ مكاسبها العسكرية ويفرض وقائع جديدة على الأرض. وبين تفاؤل واشنطن وحذر دمشق، تبقى المفاوضات معلّقة على عامل واحد: مدى قدرة الضغط الأميركي على تحويل التفاهمات التقنية إلى التزامات سياسية قابلة للتنفيذ، وهو أمر لم تتوافر مؤشراته بعد.