أكد تقرير نشرته صحيفة جنوب أفريقية (The Post) أن الوضع الإنساني في قطاع غزة يتعرض لضغط غير مسبوق بفعل سياسات الاحتلال الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن التفسيرات التي يقدمها المدافعون عن "إسرائيل" حول الأزمة – مثل تحميل المسؤولية لحماس، أو الأمم المتحدة، أو المنظمات الإنسانية، أو الأحوال الجوية، أو "التحديات اللوجستية" – تتهاوى أمام الوقائع على الأرض.
وأوضح التقرير الأحد أن جميع المعابر الحدودية لغزة تخضع للسيطرة الإسرائيلية، إلى جانب المجال الجوي والمياه الإقليمية، فيما تخضع قوافل المساعدات لموافقة الاحتلال أو لتأخيرات أو رفض متعمد، ما يعكس دور إسرائيل المركزي في فرض الأزمة.
وأشار معد التقرير، البروفيسور يوسف شيكتي، إلى أن حتى الأمطار أصبحت خطيرة بعد أن دُمرت أنظمة الصرف الصحي وشبكات المجاري وحواجز الفيضانات، حيث أظهرت تقارير متعددة أن مياه الفيضانات أُطلقت عمدًا باتجاه مخيمات النزوح، ما يزيد من خطورة الظروف على المدنيين.
وأشارت الصحيفة إلى أن أكثر من 80 يومًا من اتفاق وقف إطلاق النار لم توقف القتل والانتهاكات، وأن أقل من نصف المساعدات الموعودة دخلت إلى غزة، بينما تظل واردات الوقود اللازمة لتشغيل المستشفيات وشبكات المياه مقيّدة، مما أدى إلى إغلاق غرف العمليات ومضاعفة خطر الأمراض. وأدى هذا الوضع إلى حالات وفاة مباشرة، شملت غرق أطفال في مخيمات النزوح المتضررة من الفيضانات، ووفاة رضّع نتيجة التعرض للبرد في خيام غير صالحة للسكن.
كما لفت التقرير إلى أن المأوى في غزة مهدّد والمجاعة تُستخدم كسلاح، مع استمرار منع دخول مواد البناء والخيام ومواد إعادة الإعمار، ما يُبقي آلاف العائلات في مبانٍ مدمّرة أو خيام معرضة للبرد والفيضانات، فيما تُدمّر المدارس والجامعات أو تُحوّل إلى ملاجئ، مع استمرار التعليم عبر وسائل بديلة كدليل على صمود السكان في مواجهة الحصار والسياسات الإسرائيلية.
ولفت شيكتي إلى أن وصف الوضع بـ"أزمة إنسانية" يُغفل المسؤولية المباشرة للاحتلال، مشددًا على أن ما يحدث ليس كارثة طبيعية، بل كارثة من صنع الإنسان، مفروضة بالقوة العسكرية والسيطرة الإدارية، مع استمرار الاحتلال في هذه السياسات رغم الرقابة الدولية المكثفة.
وأشار التقرير إلى أن محكمة العدل الدولية تتابع قضايا الإبادة الجماعية، وأن مسؤولي الأمم المتحدة حذروا مرارًا من المجاعة والتطهير العرقي، إلا أن الحصار المفروض على المساعدات مستمر، مدعومًا دبلوماسيًا وعسكريًا من دول قوية تدّعي الالتزام بحقوق الإنسان بينما تسمح بانتهاكها بشكل ممنهج.
وأكد شيكتي أن الأدلة واضحة، وأن وقف المساعدات ليس مجرد فشل إداري، بل أسلوب حرب متعمد، والمجاعة في غزة ليست نتيجة غير مقصودة، بل هي خيار استراتيجي. ورغم هذه السياسات، يواصل الفلسطينيون العيش والتعلم والصمود، فيما يكشف هذا الصمود الإفلاس الأخلاقي لمضطهديهم، وليس مؤشرًا على تقبل الظروف.
وأشار إلى أن الفلسطينيين يُجبرون على الصمود للحفاظ على إنسانيتهم في مواجهة سياسات تهدف إلى محوهم، مؤكدًا أن النجاحات التعليمية والحياتية ليست دليل ضبط النفس الإسرائيلي، بل إدانة للسياسات نفسها، ولا ينبغي تصوير صمود الفلسطينيين كوسيلة لتخفيف وطأة الجريمة.
وجاء في التقرير أن حرمان سكان غزة من الغذاء والماء والمأوى والدواء والتعليم، إلى جانب قصف منازلهم ومستشفياتهم وجامعاتهم، يُعد إبادة جماعية متعمدة. وكتب شيكتي: "تُقتل غزة ببطء، وبيروقراطية، وبشكل متعمّد، شاحنة معاقة، تصريح مُلغى، مدرسة مدمّرة، واحدة تلو الأخرى". وأكد أن إنهاء هذه الإبادة يتطلب رفع الحصار فورًا ودون شروط، وضمان وصول كامل للمساعدات الإنسانية، ومحاسبة من حوّل التجويع والجوع والجهل إلى أسلحة حرب.
وختم التقرير بأن ما يحدث في غزة ليس هدنة تعثرت بانتهاكات، بل إبادة جماعية مستمرة بوسائل مختلفة، مشددًا على أن القانون الدولي الإنساني يلزم القوة المحتلة بضمان وصول السكان إلى الغذاء والرعاية الطبية والمأوى والخدمات الأساسية، بينما إسرائيل فعلت العكس تمامًا، عبر عرقلة المساعدات، وتجريم العمل الإنساني، وتدمير البنية التحتية، وتحويل التجويع إلى أداة حرب.