تقرير - شهاب
تشهد الساحة السورية في الآونة الأخيرة تطورات متسارعة أعادت خلط الأوراق الإقليمية، وأثارت قلقًا متزايدًا داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، في ظل مؤشرات على تغيرات قد تمسّ توازنات طالما عمل الاحتلال على ترسيخها منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011.
ويعد الحديث عن توحيد الأراضي السورية تحت سلطة مركزية قوية واحدة من أكثر الملفات إزعاجًا لـ"إسرائيل"، إذ ترى "تل أبيب" في سوريا الموحّدة والقادرة على فرض سيادتها تهديدًا مباشرًا لمشاريعها الإقليمية.
ويأتي في مقدمة هذه المشاريع مخطط يُعرف في الأوساط الإسرائيلية باسم “ممر داوود”، والذي يقوم على خلق نفوذ سياسي وأمني ممتد داخل الجغرافيا السورية، بما يخدم طموحات "إسرائيل" بعيدة المدى، حتى في غياب اتصال جغرافي مباشر.
وبحسب مراقبون، فإن التحولات السورية تتنزامن مع صعود واضح للدور التركي في الشمال السوري ومحيطه، وهو ما تعتبره "إسرائيل" خسارة استراتيجية، فتعزيز النفوذ التركي في هذه المنطقة الحساسة يُقلّص هامش الحركة الإسرائيلي، ويفرض لاعبًا إقليميًا قويًا يمتلك أدوات سياسية وعسكرية مؤثرة.
وطوال سنوات الأزمة، عمل الاحتلال الإسرائيلي على الاستفادة من حالة التفكك الداخلي في سوريا، سواء عبر تغذية الصراعات العرقية والطائفية أو عبر الضربات العسكرية المتكررة التي استهدفت إضعاف البنية العسكرية للدولة، إلا أن أي مؤشرات على استقرار سياسي أو تعافٍ اقتصادي، حتى وإن كان محدودًا، تُعدّ تطورًا مقلقًا لـ"تل أبيب"، لأنها تعني بداية استعادة سوريا لدورها الإقليمي.
كما يزداد الانزعاج الإسرائيلي مع ما تراه تغيّرًا في طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع بعض حلفائها في سوريا، خاصة قوات “قسد”، فغياب موقف أمريكي حازم، أو إشارات إلى إعادة ترتيب الأولويات، يثير مخاوف "إسرائيل" من احتمال تراجع الالتزام الأمريكي بالاستراتيجية التي خدمت المصالح الإسرائيلية خلال السنوات الماضية، في إطار ترتيبات إقليمية جديدة لم تتضح معالمها بعد.
أسباب الانزعاج الإسرائيلي
الكاتب والمحلل السياسي علي أبو رزق، قال إن حالة الانزعاج الشديد التي تبديها "إسرائيل" إزاء التطورات الجارية في سوريا تعود إلى جملة من الأسباب الاستراتيجية والسياسية، أبرزها ما يهدد مشاريع إسرائيلية قديمة جديدة في المنطقة.
وأوضح أبو رزق أن توحيد الأراضي السورية تحت سلطة مركزية واحدة يُفشل مخططًا إسرائيليًا يُعرف بـ"ممر داوود"، والذي تسعى من خلاله "إسرائيل" إلى تحقيق أحد مرتكزات مشروع "إسرائيل الكبرى"، سواء عبر الاتصال الجغرافي المباشر أو من خلال فرض نفوذ سياسي وأمني يمتد داخل الجغرافيا السورية.
وأشار إلى أن ما يجري في سوريا يصب بشكل واضح في مصلحة تركيا، معتبرًا أن المشهد الحالي يبدو وكأنه حرب يخوضها السوريون بالنيابة عن أنفسهم وعن أنقرة في آنٍ واحد، ما يعني تمدد النفوذ التركي في واحدة من أكثر مناطق الشرق الأوسط حساسية، على حساب النفوذ الإسرائيلي، وهو ما يفسر – بحسب أبو رزق – حالة الاستياء التي عبّر عنها باحثون وأكاديميون إسرائيليون في الآونة الأخيرة.
وبيّن الكاتب أن استعادة الجغرافيا السورية وتوحيدها ينعكس سلبًا على موقف حكمت الهجري، الذي وصفه بالحليف الدرزي المعلن لإسرائيل داخل سوريا، لافتًا إلى أن المساحات التي كانت تسيطر عليها قوات "قسد" تفوق بأضعاف المناطق المرتبطة بالهجري، وأن تراجع نفوذ "قسد" بهذه السهولة يفتح الباب أمام تراجع مشروع الهجري الانفصالي المدعوم إسرائيليًا.
وأضاف أبو رزق أن "إسرائيل" عملت، ولا تزال، على إبقاء سوريا غارقة في أزماتها الداخلية البنيوية، من خلال تغذية الصراعات العرقية والطائفية والاجتماعية، مؤكدًا أن أي خطوة باتجاه تحقيق قدر من الاستقرار السياسي أو الاقتصادي في سوريا تُعد مصدر قلق وإزعاج بالغ لـ"تل أبيب".
كما أشار إلى أن "إسرائيل" تشعر بانزعاج إضافي من طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع قوات "قسد"، معتبرًا أن هذا السلوك يوحي وكأنه تخلي أمريكي عن أحد أبرز حلفائه في الساحة السورية، خلافًا للتوقعات الإسرائيلية التي كانت تراهن على موقف أمريكي أكثر حزمًا.
وشدد أبو رزق بالقول إن أسباب هذا الموقف الأمريكي ما زالت غير واضحة، متسائلًا عمّا إذا كان نابعًا من مزاجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أم نتيجة ضغوط سعودية وتركية، أم ضمن ترتيبات إقليمية جديدة لم تُكشف ملامحها بعد.
تريد سوريا ضعيفة
أما رئيس تحرير صحيفة العربي الجديد، طارق نعيمات، قال إن هناك شبه إجماع إقليمي ودولي على ضرورة قيام دولة سورية موحّدة، ذات حكومة مركزية قوية قادرة على فرض سيادتها على كامل أراضيها، مشيرًا إلى أن هذا التوافق يستند إلى اعتبارات مصلحية وأخلاقية في آنٍ واحد.
وأوضح نعيمات أن "إسرائيل" تُعد الطرف الوحيد الذي يعارض قيام سوريا قوية وذات سيادة، لافتًا إلى أن الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي يعكس رغبة واضحة في إبقاء سوريا دولة ضعيفة ومفككة، بما يسمح بتوسيع النفوذ الإسرائيلي وصولًا إلى دمشق.
وأضاف أن هذا التوافق الدولي الواسع يشكّل فرصة ذهبية أمام سوريا للخروج من أزمتها الراهنة، معتبرًا أن المسؤولية الكبرى تقع اليوم على عاتق الحكومة السورية، خاصة في ظل التطورات الأخيرة التي أعادت طرح مسألة شكل الدولة السورية ومستقبلها السياسي.
وشدد نعيمات على أن المرحلة الحالية تتطلب استثمار هذا المناخ الدولي الداعم لوحدة سوريا، وبناء مؤسسات قادرة على استعادة القرار السيادي، بما يحفظ وحدة البلاد ويمنع أي محاولات لفرض وقائع تخدم أجندات خارجية.
وبحسب المحللين السياسيين فإن انزعاج "إسرائيل" من تطورات المشهد السوري لا يرتبط بحدث واحد بقدر ما هو نتاج مسار كامل يهدد ركائز سياستها تجاه سوريا وهي دولة ضعيفة، ومنقسمة، ومنشغلة بأزماتها الداخلية، ومع أي خطوة باتجاه وحدة الأرض وتعزيز السلطة المركزية وتوازن العلاقات الإقليمية، تجد "إسرائيل" نفسها أمام واقع جديد يقلّص قدرتها على التأثير ويفرض عليها إعادة حساباتها الاستراتيجية.