تتخذ معاناة مرضى الثلاسيميا في غزة أشكالًا أكثر قسوة على الرغم من اقتراب دخول هدنة وقف إطلاق النار شهرها الخامس دون أي تغييرات تذكر على البرتوكول الإنساني كجزء أساسي من اتفاق وقف إطلاق النار في ظل انهيار المنظومة الصحية، واستمرار الحصار، والنقص الحاد في الأدوية ووحدات الدم.
ووفق إحصائيات صحية حديثة، بلغ عدد وفيات مرضى الثلاسيميا خلال فترة الحرب 48 حالة، فيما يواجه نحو 243 مريضًا خطرًا حقيقيًا على حياتهم، مع تراجع فرص العلاج وانتظام المتابعة الطبية
الثلاسيميا، وهو مرض وراثي مزمن يصيب الدم، تحوّل في غزة من حالة يمكن التعايش معها إلى معركة يومية للبقاء، في ظل واقع صحي هشّ، وحرب شنّتها "إسرائيل" أعادت المرضى سنوات طويلة إلى الوراء، ودفعت كثيرين منهم إلى حافة الموت.
احتياجات طبية طارئة
يقول أسعد البراوي " 15 عامًا"، إنه اعتاد منذ طفولته الذهاب إلى المستشفى كل أسبوعين لتلقي نقل الدم، موضحًا أن حياته كانت "صعبة لكنها مستقرة" قبل الحرب.
ويضيف أنه خلال الأشهر الماضية اضطر للانتظار طويلًا للحصول على الدم، وفي أحيان كثيرة عاد إلى منزله دون علاج، مؤكدًا أن جسده لم يعد يحتمل هذا الانقطاع، إذ بات يعاني من إرهاق دائم، وضيق في التنفس، وتسارع في ضربات القلب.
ويستطرد قائلًا إن أكثر ما يخيفه ليس المرض ذاته، بل فكرة أن يموت لأنه لم يجد وحدة دم في الوقت المناسب أو لم يجد قطعة صغيرة لا يتعدى سعرها دولار واحدا بغزة، تمنع "إسرائيل" دخولها رغم تصنيفها عالميا أنها احتياجات طبية طارئة ومفقودة بغزة.
ولا تختلف قصة فاطمة، وهي سيدة في الأربعين من عمرها، تعيش مع الثلاسيميا منذ طفولتها، عن غيرها من المرضى. تقول إنها فقدت انتظام علاجها بالكامل خلال الحرب، بعد انقطاع أدوية خفض الحديد، موضحة أن الأطباء حذّروها من مضاعفات خطيرة قد تصيب قلبها وكبدها.
وتضيف أن الخوف بات رفيقها اليومي، في ظل شعورها بأن جسدها ينهار ببطء، دون قدرة على فعل أي شيء.
في المقابل، تروي أم لطفل يبلغ من العمر سبع سنوات معاناتها اليومية مع المرض، مؤكدة أن ابنها لم يعد يفهم لماذا يتألم، ولماذا يُمنع من اللعب مثل باقي الأطفال.
وتقول إن رحلة العلاج تحوّلت إلى عبء نفسي وإنساني قاسٍ، في ظل نقص الدم، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات، وانعدام الأدوية والمعدات الأساسية، مؤكدة أن الحرب والحصار سرقا من طفلها حقه في حياة وعلاج بشكل طبيعي.
وحول واقع مرض الثلاسيميا تقول الممرضة إيمان حسونة والتي تعمل منذ سنوات طويلة في قسم متابعة مرضى الثلاسيميا في مستشفى عبد العزيز الرنتيسي في قطاع غزة لوكالة "شهاب"، أن هذا المرض لا يمكن اختزاله في كونه فقر دم مزمن، مؤكدة أنه مرض وراثي معقّد يبدأ مع الإنسان منذ لحظة ولادته، ولا يفارقه طوال حياته.
توزان وكارثة
وتوضح أن الثلاسيميا تنتج عن خلل جيني يمنع الجسم من إنتاج الهيموغلوبين بشكل طبيعي، ما يؤدي إلى تكسّر مستمر في خلايا الدم الحمراء، ويجعل المريض معتمدًا بشكل كامل على نقل الدم الخارجي للبقاء على قيد الحياة.
وتضيف الممرضة أن الطفل المصاب بالثلاسيميا يدخل منذ أشهره الأولى في مسار علاجي صارم، يقوم على نقل وحدات دم بشكل دوري، غالبًا كل أسبوعين، إلى جانب تناول أدوية خاصة لخفض نسبة الحديد في الجسم.
وتؤكد أن هذه المنظومة العلاجية ليست اختيارية، بل مسألة حياة أو موت، لأن الجسم غير قادر على التخلص من الحديد الزائد الناتج عن نقل الدم بشكل طبيعي.
وتتابع أن المرحلة المستقرة في حياة مريض الثلاسيميا تُبنى على انتظام هذا العلاج، مشيرة إلى أن كثيرًا من المرضى كانوا، قبل الحرب، قادرين على الدراسة والعمل وممارسة حياتهم بشكل شبه طبيعي، طالما توفرت وحدات الدم، وأدوية خفض الحديد، والفحوصات الدورية للقلب والكبد والغدد.
وتستدرك قائلة إن هذا التوازن هشّ، وأي خلل بسيط فيه قد يقود إلى تدهور خطير في الحالة الصحية.
وتكشف الممرضة أن أخطر ما يواجه مرضى الثلاسيميا ليس نقص الدم فقط، بل تراكم الحديد داخل الجسم، موضحة أن الحديد الزائد يتسلل بصمت إلى الأعضاء الحيوية، وعلى رأسها القلب والكبد، دون أعراض واضحة في البداية.
وتستطرد أن المريض قد يشعر بإرهاق أو ضيق تنفّس بسيط، بينما يكون قلبه في الواقع تحت ضغط متزايد، إلى أن يصل في بعض الحالات إلى فشل قلبي مفاجئ.
وتؤكد أن هذه المرحلة تمثل نقطة التحول الأخطر في مسار المرض، حيث ينتقل المريض من مرحلة العلاج والمتابعة إلى مرحلة مواجهة المضاعفات القاتلة، موضحة أن هذه النهاية ليست ناتجة عن طبيعة المرض بحد ذاته، بل عن انقطاع العلاج أو عدم انتظامه لفترات طويلة.
وفي هذا السياق، تربط الممرضة بشكل مباشر بين تفاقم أوضاع مرضى الثلاسيميا في غزة والحرب التي شنّتها "إسرائيل" والحصار المستمر، مشيرة إلى أن استهداف المنظومة الصحية، ومنع إدخال الأدوية، وانقطاع الكهرباء، ونقص وحدات الدم، كلها عوامل أدت إلى انهيار الرعاية المقدمة لهؤلاء المرضى.
مضاعفات متقدمة
وتضيف أن كثيرًا من المرضى حُرموا من نقل الدم في مواعيده، أو اضطروا لتلقيه في ظروف غير آمنة، بينما انقطعت أدوية خفض الحديد بشكل شبه كامل.
وتوضح أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا، لأن أجسادهم لا تتحمل الانقطاع الطويل للعلاج، مؤكدة أن تأخير نقل الدم لدى الطفل قد يؤدي إلى تضخم الكبد والطحال، وتشوهات في العظام، وتأخر واضح في النمو الجسدي والعقلي.
وتقول إن بعض الأطفال باتوا يعانون من مضاعفات متقدمة لا تتناسب إطلاقًا مع أعمارهم، نتيجة الانقطاع القسري للعلاج خلال الحرب.
وتتابع الممرضة أن معاناة المرضى لا تقتصر على الجانب الطبي، بل تمتد إلى الجانب النفسي، حيث يعيش المريض وأسرته في قلق دائم، مترقبين تدهورًا مفاجئًا قد يحدث في أي لحظة.
وتؤكد أن كثيرًا من المرضى باتوا يدركون أنهم لا يموتون فجأة، بل يدخلون في مسار بطيء من الإنهاك الجسدي، تنطفئ فيه الأعضاء واحدًا تلو الآخر
وتؤكد أن مرضى الثلاسيميا في غزة لا يواجهون قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة للحرب التي شنّتها "إسرائيل" والحصار، مشددة على أن إعادة انتظام العلاج، وفتح المعابر، وتأمين الأدوية، كفيلة بإنقاذ مئات الأرواح التي تُستنزف اليوم بصمت داخل أقسام المرضى.
من جانبه، يؤكد إبراهيم عبد الله، منسق جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا في غزة، أن ما يعيشه المرضى اليوم هو الأسوأ منذ سنوات طويلة، موضحًا أن الجمعية فقدت خلال فترة الحرب عشرات المرضى بسبب انقطاع العلاج ونقص الإمكانيات. ويقول إن الأرقام المعلنة لا تعكس حجم الكارثة الحقيقي، لأن كثيرًا من المرضى يعيشون اليوم في دائرة الخطر دون تسجيلهم ضمن حالات الوفاة.
ويضيف عبد الله أن الجمعية تتابع أوضاع 243 مريضًا، معظمهم أطفال، في ظل نقص حاد في وحدات الدم وأدوية خفض الحديد، مشيرًا إلى أن استمرار الحصار ومنع إدخال المستلزمات الطبية فاقم الأزمة بشكل غير مسبوق. ويؤكد أن المرضى لا يحتاجون إلى علاج طارئ فقط، بل إلى منظومة متكاملة من الرعاية لا يمكن توفيرها في ظل الواقع الحالي.
ويتابع أن الحرب التي شنّتها "إسرائيل" دمّرت جزءًا كبيرًا من البنية الصحية، وحرمت المرضى من حقهم في العلاج المنتظم، لافتًا إلى أن بعض الحالات باتت بحاجة عاجلة للعلاج في الخارج، بعد وصولها إلى مراحل متقدمة من المضاعفات. ويشدد على أن فتح المعابر وتأمين العلاج خارج غزة أصبح مطلبًا إنسانيًا لا يحتمل التأجيل.
ويختم عبد الله بالتحذير من أن استمرار هذا الوضع ينذر بارتفاع أعداد الوفيات خلال الفترة المقبلة، مؤكدًا أن إنقاذ مرضى الثلاسيميا لا يتطلب معجزات، بل قرارًا سياسيًا بإنهاء الحصار، وضمان تدفق الأدوية، وإعادة بناء ما دمّرته الحرب.