في حيّ الصبرة وسط مدينة غزة، جلس محمود حمّاد فوق ركام منزله المدمّر، ممسكًا بغربال صغير، يمرّر من خلاله التراب والحجارة بحثًا عن آخر ما تبقّى من عائلته. لم يكن المشهد عابرًا، حيث كان خلاصة رحلة امتدّت لأشهر طويلة من الألم والعمل المضني، بحثًا عن رفات زوجته وأطفاله، بعد أن فقد 14 فردًا من عائلته في قصف دمّر المنزل ومسح ساكنيه من السجل المدني.
يقول حمّاد، في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء: “فقدت زوجتي وأطفالي الستة، ثلاثة ذكور وثلاث إناث، إضافة إلى شقيقي وزوجته وأطفالهما. جميعهم اختفوا في لحظة واحدة، ولم يبقَ لي سوى هذا الركام”. ويضيف: “لم أبحث عن أحياء، كنت أبحث فقط عن عظام أدفنها بكرامة”.
رحلة البحث، بحسب حمّاد، لم تكن قصيرة ولا سهلة. فقد استمرّت قرابة ستة أشهر، موزّعة على مدى عامين وشهرين، في ظل غياب الإمكانات وصعوبة الوصول إلى المكان.
ورغم إصابته بأكثر من 20 كسرًا في أنحاء متفرقة من جسده، عاد مرارًا إلى موقع المنزل، رافعًا أطنان من الخرسانة والركام بيديه أو بأدوات بدائية، بعد أن عجز عن تحمّل كلفة استئجار معدات ثقيلة.
ويتابع: “كل يوم كنت أعود إلى هنا، أرفع الحجارة قطعة قطعة. دفعت مبالغ كبيرة لا أملكها، وبعت ما تبقّى لي، فقط لأصل إلى المكان الذي كان فيه أطفالي”.
وبعد أشهر من العمل الشاق، وصل حمّاد إلى الشقة التي كانت عائلته تحتمي فيها، ليصطدم بحقيقة أكثر قسوة. “وجدت المكان محترقًا بالكامل. النار أكلت كل شيء، ولم أجد أي أثر لأطفالي”، يقول بصوت خافت.
بعد ذلك، غيّر حمّاد مسار بحثه إلى الجهة الشرقية من المبنى، حيث كانت زوجته، الحامل في شهرها التاسع، موجودة لحظة القصف. هناك، عثر على بعض الرفات. “بدأت أجمع العظام واحدة تلو الأخرى. كنت أعود كل مرة، وأغربل التراب، حتى لا أترك شيئًا خلفي”، يوضح.
مشهد البحث بالغربال، الذي وثّقته عدسات محلية، تحوّل إلى رمز لمعاناة آلاف العائلات في غزة، في ظل الدمار الواسع ونقص المعدات اللازمة لرفع الأنقاض.
ووفق تقارير إعلامية وحقوقية، فإن كثيرًا من الأهالي اضطروا للقيام بعمليات انتشال فردية، في ظل تأخر وصول فرق الإنقاذ أو عدم قدرتها على العمل في جميع المناطق.
يقول حمّاد: “لم أكن أبحث عن صورة أو تعاطف. كنت أبحث عن نهاية. أردت أن أصل إلى آخر عظمة، وأن أدفنهم جميعًا في قبر واحد، وأصلّي عليهم”.
وبالفعل، وبعد أشهر من المحاولات، تمكّن من جمع ما تبقّى أجزاء كبيرة من رفات زوجته وأبناء شقيقه، وكله أمل بدفنهم في مقبرة واحدة بعد انتهاء عملية البحث قريبًا.
القصة، التي تناقلتها وسائل إعلام عربية ودولية بصورة كبيرة جدًا، أعادت تسليط الضوء على الثمن الإنساني الباهظ الذي يدفعه المدنيون في غزة، حيث لا تقتصر الخسارة على الأرواح، بل تمتد إلى محو عائلات كاملة وحرمان ذويهم من أبسط حقوق الوداع والدفن بكرامة.
وفي ختام حديثه، يقول محمود حمّاد: “الحرب لم تقتلهم فقط، بل تركتني أبحث عنهم لعامين. هذا الغربال هو كل ما تبقّى لي منهم”. وبين أنقاض حيّ الصبرة، بقيت قصته شاهدًا على معاناة إنسانية تتجاوز الأرقام، وتختصر وجع مدينة بأكملها.