تقرير خاص/ شهاب
دمّرت الحرب المنظومة الصحية، وأغلق الحصار أبواب العلاج واستقدام المعدات، وضعت المرضى، على اختلاف أمراضهم، في مواجهة مصيرية مع الموت والإعاقة، حتى وإن كانت حالاتهم الطبية عابرة ولا تشكّل، في تشخيصها، خطرًا يُذكر.
تراكم الأزمة الإنسانية في غزة دفع مرضى العيون إلى الوقوف على خط أبيض يفصل بين النور والظلام، في واحدة من أكثر تداعيات الإبادة قسوة، أطفال وفتية ونساء يعيشون اليوم على حافة العمى، لا بسبب الإصابة وحدها، بل نتيجة سلسلة من مطولة من الإبادة الصحية.
على أعتاب هذه الكارثة
يقول أشرف الكومي (12 عامًا): "أرى ضوءًا ابيض كلما حاولت فتح عيني بقوة لكن لا أستطيع تمييز هذا الضوء أو معرفة على ماذا يدل "، منوهًا إلى أن هذه حالته في الرؤية تتزايد يومًا بعد يوم سوء، جراء تشخيصه بمرض ضغط العين "الجلوكوما".
ويتابع: "كنت أتردد بانتظام على مستشفى العيون غربي غزة لتلقي العلاج وإجراء الفحوصات اللازمة لمتابعة ضغط العين، وكانت حالتي الطبية مستقرة نسبيًا، لكن مع اندلاع الحرب، وعلى مدار عامين، توقفت كل المواعيد، ونفدت القطرات الطبية الأساسية، وتعطلت الأجهزة التي كانت تتابع ضغط العين بشكل دقيق، حتى الأطباء الذين كانوا يتابعون حالتي تم استهدافهم واستشهدوا".
بينما يقول والده: "كل يوم يمر دون حصول ابني على احتياجاته الطبية المنعدمة في قطاع غزة، تزداد احتمالية إصابته بالعمى الكامل خلال فترة وجيزة"، منوهًا إلى أن حالة طفله ليست الأولى، وأن هناك عشرات الأطفال الذين يتشاركون معه التشخيص وأزمة العلاج، باتوا فاقدي البصر أو على أعتاب هذه الكارثة.
ويوضح والد أشرف أن طفله يعاني من صداع مستمر، وحساسية مفرطة للضوء، وفقدان تدريجي للرؤية، بينما يقف الأطباء عاجزين أمام نقص المعدات اللازمة لإجراء العمليات الجراحية أو الفحوص المتقدمة
أما والدة الطفل سامر أبو طير، البالغ من العمر 7 سنوات، فتقول لـ "شهاب": "أخاف أن يفقد طفلي عينه الأخرى، ويصبح عالمه مظلمًا بالكامل، على الرغم من أن بعض الأطباء في الوفود أخبرونا أنه بوجود العلاج يمكننا السيطرة على وضعه الطبي ومنع التدهور".
عين سامر
وتوضح أن انفجارًا بالقرب من منزلهم تسبب في فقدان سامر الرؤية في عينه اليمنى، بعد أن استقرت شظية كبيرة فيها، بينما تظل عينه الأخرى مهددة بشكل دائم نتيجة انتشار الشظايا في جسده.
ويتابع والده: "تم نقله إلى مستشفى ميداني في دير البلح فور الحادث، وأجرى الأطباء محاولة محدودة لإنقاذ العين المصابة، لكن المعدات الأساسية لإجراء العمليات الدقيقة، مثل أجهزة "الفاكو" والفحوصات المتقدمة، لم تكن متوفرة، ما جعلنا نعيش كل يوم في خوف على عين سامر الثانية".
ويضيف أن سامر ووالده يزوران المستشفى يوميًا، لكن كل فحص مؤقت، وكل دواء متوفر بشكل مؤقت، في ظل استمرار نقص الإمكانيات، ما يجعل المستقبل محفوفًا بالمخاطر.
أما هبة زيدان (16 عامًا) فتقول لـ"شهاب" : "أشعر أن باحتراق عينى كل يوم، والتشوش بالرؤية
يزداد بشكل لافت ، بسبب التعرض المباشر والمستمر للغبار والدخان والغازات خلال القصف المتكرر على غزة".
وتتابع: "قبل الحرب كانت عيناي طبيعيتين، لكنهما شديدتا الحساسية لأي ملوثات، غير أن التعرض الطويل للتلوث الذي أنتجته الحرب تسبب لي بحساسية شديدة، وتشوش في الرؤية، وضعف تدريجي في الإبصار".
وتضيف: "أحاول شراء بعض القطرات، لكن الأسعار مرتفعة جدًا، والمستشفى لا يوفر سوى القليل، ولا توجد أجهزة فحص تعمل بالكامل، ما يصعّد من أزمتي الصحية".
وتواصل هبة: "أخبرني الأطباء بأن معاناتي قد تتطور لتصبح عدم وضوح دائم في الرؤية، في مستشفى تكاد كل إمكانياته تتوقف أمام نقص الأجهزة الجراحية والفحوصات، وتعطل أنظمة الكهرباء والطاقة الاحتياطية".
من جانبه، يقول الدكتور إياد أبو كرش، رئيس قسم العمليات والتخدير في مستشفى العيون بغزة: "إن التدخلات الجراحية، على الرغم من انتهاء الحرب منذ أربعة أشهر، ما زالت صعبة بسبب نقص المعدات والأدوية".
احتمالات فقدان البصر
ويضيف أن الطواقم الطبية تضطر إلى استخدام أدوات بدائية لا تتناسب مع خطورة الإصابات، ما يضاعف معاناة المرضى، ويهدد حياتهم البصرية، ويُراكم من صعوبة الحالات التي ترد إلى عيادات العيون.
ويوضح أن المستشفى استقبل في شمال القطاع وحده نحو 2077 إصابة في العينين، منذ يناير/كانون الثاني 2024 وحتى سبتمبر/أيلول 2025.
وأضاف أن 18% من هذه الإصابات أدت إلى تفريغ العين، و34% منها احتوت على أجسام غريبة داخل العين، بينما أُصيب 9% من المرضى في كلتا العينين، ما يزيد احتمالات فقدان البصر بشكل كامل ودائم.
من جهته، أكشف محمد خيري، منسق مركز غزة لحقوق الإنسان فى تصريح تابعته " شهاب"، أن نحو 5 آلاف مريض ومصاب في العيون مهددون بفقدان نظرهم كليًا أو جزئيًا جراء الحرمان من العلاج، بسبب تدمير الاحتلال البنية التحتية لمستشفى العيون، والمولدات الكهربائية، والأجهزة الجراحية، ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات والمستهلكات الطبية، حيث أدى نقص العلاجات إلى تفاقم أمراض خطيرة.
وبيّن أن نحو 2400 مريض على قوائم الانتظار بحاجة عاجلة إلى عمليات جراحية لا تتوفر إمكانياتها داخل غزة، مشددًا على أن جيش الاحتلال لم يكتفِ بإيقاع الإصابات، بل يتعمد حرمان المصابين من العلاج، سواء بمنع السفر أو إعاقة إدخال الأجهزة الطبية والمعدات اللازمة.
ونبّه منسق المركز الحقوقي إلى أن مستشفى العيون في غزة يعاني من نقص شديد في الأجهزة التشخيصية الأساسية اللازمة للتعامل مع إصابات الحرب، بسبب رفض الاحتلال إدخال هذه الأجهزة، رغم استعداد مؤسسات دولية لتحمل تكلفتها بالكامل، ما يضطر الطاقم الطبي إلى تقديم العلاج الأولي باستخدام أدوات بسيطة ومعدات بدائية لا تتناسب مع حجم وخطورة الإصابات.
تفريغ العين
في حين حذّر مدير مستشفى العيون التابع لوزارة الصحة في قطاع غزة، استشاري طب وجراحة العيون الدكتور عبد السلام صباح، أن المستشفى يسجل يوميًا حالات فقدان بصر بين المصابين والمرضى، نتيجة عدم القدرة على إجراء التدخلات الجراحية اللازمة.
وقال إن الكثير من الإصابات تحتاج إلى تدخل عاجل، لا سيما حالات اختراق مقلة العين ودخول الشظايا، التي تؤدي إلى التهابات خطيرة قد تنتهي بتفريغ العين، مؤكدًا أن تأخير التدخل المباشر يعني العجز عن تدارك الوضع لاحقًا.
وكشف صباح أن عدد مصابي الحرب على غزة تجاوز، وفقًا لإحصاءات وزارة الصحة، 171 ألف إصابة، مشيرًا إلى أن حوالي 11% منها إصابات في العيون، أي ما يعادل نحو 17 ألف إصابة.
وأوضح أن الأطفال يشكلون 20% من هذه الإصابات، وهم الأكثر عرضة لفقدان البصر بسبب ضعف مناعتهم، ما ينذر بارتفاع أعداد ذوي الإعاقة البصرية في المجتمع.
وأضاف أن عدد المصابين الذين فقدوا بصرهم فعليًا خلال الحرب تجاوز 3 آلاف مصاب، مؤكدًا أن الأرقام النهائية قد تكون أعلى بكثير عند حصرها رسميًا.
وشدد على أن نقص المعدات والأدوية يجعل معظم الإصابات غير قابلة للمعالجة بشكل كامل داخل غزة، في ظل استمرار الحصار ومنع إدخال الأجهزة الطبية الضرورية.