في خيمة لا تقي من الرياح ولا تحفظ دفئًا، خسر الطفل علي أبو زور معركته القصيرة مع الحياة. لم يحتمل جسده الصغير، البالغ من العمر ثلاثة أشهر فقط، موجة البرد القارس التي تضرب قطاع غزة، ليفارق الحياة فجر اليوم داخل مستشفى شهداء الأقصى متأثرًا بانخفاض حاد في درجة حرارة جسمه. وفاة علي لم تكن حادثة عابرة، بل فصلًا جديدًا من فصول مأساة تتكرر بصمت بين الأطفال الرضّع.
وبرحيل الطفل أبو زور، ترتفع حصيلة وفيات الأطفال نتيجة البرد منذ بداية فصل الشتاء إلى 10 حالات، معظمهم من الرضّع وحديثي الولادة، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة الشتاء القاسي داخل خيام مهترئة، لا توفر الحد الأدنى من الحماية. أطفال لم تقتلهم الحروب بشكل مباشر، بل قضوا ضحية ظروف النزوح القسري، والفقر، وغياب وسائل التدفئة والرعاية الصحية.
وتأتي هذه الوفيات في ظل انهيار واسع في المنظومة الصحية بقطاع غزة، خاصة في أقسام الحضانة والعناية المركزة، حيث تعجز المستشفيات عن توفير التجهيزات الأساسية لإنقاذ الأطفال، في وقت يحذر فيه الأطباء من أن استمرار انخفاض درجات الحرارة ينذر بارتفاع أعداد الضحايا.
وفي هذا السياق، قال الدكتور خالد أبو خوصة، نائب رئيس قسم الحضانة في مستشفى الشهيد عبد العزيز الرنتيسي التخصصي بمدينة غزة، إن المستشفى يواجه تحديات جسيمة في التعامل مع حالات الأطفال الرضّع، خاصة تلك الناتجة عن انخفاض حرارة الجسم، بسبب النقص الحاد في الإمكانيات الطبية.
وأوضح أبو خوصة في تصريح صحفي خاص لوكالة شهاب، أن قسم الحضانة في المستشفى لا يتوفر فيه أي جهاز تنفس صناعي، مشيرًا إلى أن الطواقم الطبية تعاني كثيرًا عند وصول أي حالة حرجة، حيث يتم اللجوء إلى التنسيق ونقل الطفل إلى أقرب مستشفى تتوفر فيه الإمكانيات، وهو ما يشكل خطرًا حقيقيًا على حياة الأطفال.
وأضاف: "نناشد بضرورة توفير جهاز تنفس صناعي لمستشفى الرنتيسي، فغيابه يحدّ بشكل كبير من قدرتنا على إنقاذ الحالات الحرجة".
وبيّن أن المستشفى لا يمتلك سوى جهاز (CPAP)، الذي يزوّد الطفل بالأكسجين عند الحاجة، لكنه لا يقوم بوظيفة جهاز التنفس الصناعي الذي يعتمد عليه الطفل بشكل كامل، ما يترك الطواقم الطبية أمام خيارات محدودة في التعامل مع الحالات الخطيرة.
وأشار أبو خوصة إلى معاناة إضافية تتمثل في عدم توفر محطة أكسجين مركزية داخل المستشفى، حيث يعتمد العمل على جرات الأكسجين المتنقلة، الأمر الذي يهدد بانقطاع الأكسجين أو نفاده في أي لحظة، في ظل صعوبة الإمداد واستمرار الضغط على المستشفى.
ولفت إلى أنه منذ بداية فصل الشتاء، لوحظت زيادة كبيرة في أعداد الأطفال الذين يصلون إلى المستشفى نتيجة نقص حرارة الجسم، بسبب ظروف النزوح والعيش داخل خيام مهترئة، مؤكدًا أن الخيام تُعد بيئة غير آمنة للأطفال الرضّع، إذ يتسلل البرد إليها بشكل مباشر دون أي عزل.
وأوضح الطبيب أن نقص حرارة الجسم لدى الأطفال حالة قاتلة، لأن الجسم لا يستطيع أداء وظائفه الحيوية إلا ضمن درجة حرارة طبيعية تبلغ 37 درجة مئوية، مشيرًا إلى أن انخفاضها إلى 35 درجة أو أقل قد يؤدي إلى توقف أعضاء الجسم عن العمل بشكل طبيعي، وهبوط حاد في الضغط، وتوقف القلب أو التنفس.
وأضاف أن الأطفال الخدّج هم الأكثر عرضة للخطر، بسبب عدم اكتمال نمو الجزء المسؤول عن تنظيم الحرارة في الدماغ، إلى جانب نقص الدهون في أجسامهم، ما يجعلهم بحاجة إلى رعاية خاصة ومتابعة دقيقة من الأهل.
ودعا أبو خوصة الأمهات إلى ضرورة المتابعة المستمرة للأطفال، والحرص على الرضاعة الطبيعية، ومراقبة حرارة الطفل، والتنبه لأي أعراض طارئة مثل ازرقاق الجلد، أو ضيق التنفس، أو ضعف التفاعل، أو الامتناع عن الرضاعة، مؤكدًا أن هذه العلامات قد تكون مؤشرًا خطيرًا على انخفاض حرارة الجسم، كما حذر من المبالغة في تغطية الطفل لما قد تسببه من اختناق.
وأكد أبو خوصة أن قسم الحضانة والعناية المركزة في مستشفى الرنتيسي تعرضا للتدمير خلال الحرب على غزة، وتم إنشاء حضانة بإمكانيات محدودة للغاية، دون توفر عناية مكثفة أو تدفئة مركزية تساعد على رفع حرارة الأطفال، مشيرًا إلى أن المستشفى حتى اللحظة لم يتمكن من إنشاء حضانة جديدة مجهزة، في ظل استمرار الحصار ونقص الدعم الطبي.
وفي ظل استمرار البرد، وبقاء آلاف العائلات داخل خيام لا تصلح للحياة، تبقى أجساد الأطفال الرضّع الحلقة الأضعف في معادلة قاسية، حيث يتحول الشتاء إلى خطر قاتل، والمستشفيات إلى ساحات إنقاذ بإمكانيات شبه معدومة. ومع كل ليلة باردة، يتجدد السؤال: كم طفلًا آخر سيدفع ثمن البرد قبل أن تتوفر له أبسط حقوقه في الدفء والحياة؟.
عشرة رُضّع قضوا بردًا… برد الخيام يفتك بالرضّع في غزة وسط عجز صحي
وكالة شهاب