رغم ما تروّج له دولة الاحتلال الإسرائيلي من "إنجازات عسكرية" على الأرض، تتزايد داخل أوساطها الرسمية اعترافات صريحة بخسارتها معركة الرأي العام العالمي، لا سيما في الولايات المتحدة، في ظل تصاعد انتشار الرواية الفلسطينية في الأوساط الغربية الفكرية والأكاديمية والإعلامية.
وفي هذا السياق، أقرّ ديفيد بن بيست، نائب عميد الطاقم القنصلي ونائب رئيس نادي السفراء في "تل أبيب"، بأن "إسرائيل" باتت تعاني فشلاً خطيراً في ساحة الوعي والإعلام، رغم امتلاكها – على حد تعبيره – قوة إقليمية شاملة عسكرياً واستخبارياً وتكنولوجياً واقتصادياً.
وقال بن بيست، في مقال نشرته صحيفة "معاريف" العبرية، إن "إسرائيل" لم تعد تُنظر إليها كـ"دولة صغيرة تكافح من أجل البقاء"، بل كقوة إقليمية متقدمة تمتلك قدرات هجومية دقيقة، وتفوقاً استخبارياً، وريادة في مجالات الذكاء الاصطناعي والسيبراني والابتكار العلمي. غير أن هذه القوة، بحسبه، كشفت في المقابل عن هشاشة خطيرة في مجال الإعلام والتأثير المعرفي.
وأضاف أن الاحتلال "قد يحقق نجاحات في ميدان المعركة، لكنه يخسر في ميدان الوعي"، محذّراً من أن النتيجة المباشرة لذلك هي تآكل شرعيته الدولية، خصوصاً في الولايات المتحدة، الحليف الأهم سياسياً وأمنياً، معتبراً أن الأزمة لا تتعلق بالصورة فقط، بل تمتد إلى أنظمة التعليم والرأي العام الجديد.
وأشار بن بيست إلى أن "إسرائيل" ما تزال تعتمد أدوات إعلامية تقليدية لم تعد فعّالة، موضحاً أن الخطاب القائم على البيانات الرسمية والتفسيرات العقلانية لا يلقى صدى لدى جيل الشباب، الذي يتفاعل أساساً مع محتوى بصري سريع على منصات مثل "تيك توك"، غالباً دون تدقيق في الحقائق، في ظل هيمنة الخوارزميات ومحتوى الذكاء الاصطناعي.
وأكد أن "إسرائيل"، التي تمتعت لعقود بدعم واسع داخل النخب السياسية والأكاديمية والثقافية الأميركية، تشهد منذ سنوات، وخصوصاً بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، تحولاً مقلقاً في المزاج العام، حيث تظهر استطلاعات الرأي تراجعاً واضحاً في دعمها بين الشباب الأميركيين، خاصة في التيارات الليبرالية والجامعات الكبرى، التي باتت تنظر إليها على أنها "دولة فصل عنصري".
ولفت إلى الدور المتنامي للمثقفين الغربيين من أساتذة جامعات وصحفيين وكتّاب في تكريس هذا التحول، معتبراً أنهم لم يعودوا يمارسون نقداً "متوازناً"، بل يتبنون، وفق وصفه، خطاباً مبسّطاً يصوّر "إسرائيل" كقوة معتدية بشكل دائم، ما جعل النخب الأكاديمية قوة مضاعفة للرواية الفلسطينية.
واعتبر بن بيست أن هذا الإخفاق ليس أخلاقياً فقط، بل استراتيجياً أيضاً، مرجعاً ذلك إلى غياب استراتيجية شاملة، وانعدام الاستثمار المنهجي في الجامعات، وضعف الحضور في المنصات الرقمية الناشئة، إضافة إلى غياب مفهوم مؤسسي للحرب النفسية بوصفها ساحة صراع مركزية.
وختم بالتحذير من أن "القوة من دون شرعية تبقى هشّة"، مؤكداً أن الدولة التي تخسر المعركة المعرفية قد تجد نفسها معزولة أخلاقياً، ومحاصرة سياسياً وأمنياً، مشيراً إلى أن الوقت لا يعمل لصالح "إسرائيل" في عصر تُحسم فيه المعارك على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تبدو – على حد وصفه – متأخرة كثيراً عن الركب.