تقرير _ شهاب
في خيام النازحين الممتدة في كل مدن قطاع غزة، استشرس مرض التهاب الكبد الفيروسي "أ" ليصبح وباء متوقع لتعمق أزمة المياه والرعاية الصحية معًا.
فشحّ المياه النظيفة، وتلاصق الخيام بمحاذاة برك الصرف الصحي، يدفع بالإصابات إلى ارتفاع متسارع في ظل توفر العدوى، خاصة بين النساء والأطفال ومرضى الأمراض المزمنة، في ظل عجز طبي واضح وغياب الفحوصات والتطعيمات، ما يجعل حياة آلاف الغزيين مهددة على نحو متزايد ويومي.
تقول شيماء أبو عبيد، 35 عامًا، والتي فقدت منزلها في حي الشيخ رضوان، فنزحت مع أطفالها إلى خيمة داخل أحد مراكز الإيواء بمدينة غزة، إن حياة الخيمة أصعب مما كانت تتصور، فهي تعيش وسط مياه الصرف الصحي ونقص المياه النظيفة والطعام المغذي.
دفعة واحدة
وتضيف: "بدأت الإصابة عندما شعرت أنا وصغاري دفعة واحدة بإرهاق شديد وألم في المعدة، وارتفاع في درجات الحرارة بشكل مفاجئ، ثم ظهر اصفرار في عيني وعين طفلي الأصغر ذو الثلاث سنوات.
تضيف مع ظهور الاصفرار أدركت أننا مصابات بالتهاب الكبد الوبائي المنتشر داخل المخيم منذ عدة شهور، حاولت تجنب بقية الأطفال حتى لا ننشر العدوى، إلا أنه في اليوم التالي ظهرت أعراض جديدة علينا جميعًا وكانت بدرجة عالية جدًا، مما يعني أننا تعرضنا لتلوث مباشر جميعًا".
وتتابع قائلة لوكالة "شهاب": "لم تكن الأعراض في نفس المستوى؛ إذ استدعى دخول اثنين من الأطفال إلى المستشفى، بينما ظلت أنا أحاول المقاومة على مدار أسبوعين كاملين، لكن كل محاولاتي باءت بالفشل وسط تحديات يومية أكبر من المرض نفسه؛ فقد كان الحصول على مياه نظيفة وطعام مناسب أمرًا شبه مستحيل، مما زاد من صعوبة إدارة حياتنا اليومية داخل المخيم".
في حين تقول ميسون العوضي، 45 عامًا، تعيش مع زوجها وأطفاله الأربعة في خيمة بمركز إيواء غربي مدينة خانيونس، إن التحديات اليومية أصبحت أكبر من مجرد مواجهة الفيروس. ففقدان المياه النظيفة يمثل مشكلة مستمرة، إذ تعتمد الأسرة على المياه التي تصلها عبر شاحنات الإغاثة، والتي غالبًا ما تكون غير كافية أو ملوثة جزئيًا، ما يزيد من صعوبة تحضير الطعام وغسل اليدين والأدوات المنزلية.
تعاني ميسون من مرض السكري المزمن، الذي يجعل أي عدوى، خصوصًا التهاب الكبد الفيروسي "أ"، أكثر خطورة على صحتها.
تحديًا جديدًا
تقول: "مع تفاقم الأعراض، مثل التعب الشديد والغثيان والاصفرار في العينين، اضطرت لتقليل تناول الطعام والشراب بانتظام، وهو ما أثر على مستوى سكر الدم لديها وجعلها أكثر عرضة للمضاعفات".
وتتابع ميسون: "أعاني من مشاكل سابقة في الكلى، مما يزيد من مخاطر إصابتي بالجفاف والتسمم الغذائي عند تناول مياه أو طعام ملوث، وكل يوم يمر يمثل تحديًا جديدًا، ليس بالمرض وحده، بل كل شيء حولنا: المياه، الطعام، الظروف في المخيم؛ كل شيء يجعل البقاء على قيد الحياة مع المرض أمرًا معقدًا وصعبًا".
تعد مشكلة المياه في غزة من أبرز العوامل التي تسهم في تفشي مرض التهاب الكبد الفيروسي "أ"، إذ يواجه السكان نقصًا حادًا في المياه النظيفة الصالحة للشرب والاستخدام اليومي.
تعتمد آلاف العائلات، على المياه التي تصلها عبر شاحنات الإغاثة، والتي غالبًا ما تكون غير كافية أو ملوثة جزئيًا.
من جانبه أوضح المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، خلال تصريح خاص لوكالة "شهاب"، أن نسبة العجز في مصادر المياه تجاوزت 75%، فيما بات أكثر من 85% من مساحة المدينة خارج نطاق خدمة المياه، بسبب تدمير الاحتلال لأكثر من 150 ألف متر طولي من شبكات المياه، وأربعة خزانات رئيسية، و72 بئرًا، إلى جانب إخراج محطة التحلية شمال غرب غزة عن الخدمة.
بيئة كارثية
وأشار إلى أن مدينة غزة كانت تعتمد قبل الحرب على 86 بئرًا للمياه، بينما لا يعمل اليوم سوى 20 بئرًا فقط بقدرة تشغيلية منخفضة، بفعل نقص الوقود، وانقطاع الكهرباء، ومنع الاحتلال إدخال الزيوت والبطاريات وأنظمة الطاقة البديلة اللازمة لتشغيل المولدات.
وبيّن مهنا أن المدينة كانت تحتاج قبل الحرب إلى نحو 100 ألف متر مكعب من المياه يوميًا، في حين تراجعت حصة المواطن من 90–95 لترًا يوميًا إلى أقل من 5 لترات حاليًا، وهو مستوى لا يفي بأبسط الاحتياجات الإنسانية، محذرًا من أن استمرار الأزمة سيقود إلى تداعيات صحية وبيئية كارثية على أكثر من مليون مواطن ونازح في المدينة.
فيما أكد محمود صالح، رئيس قسم السلامة ومكافحة العدوى بوزارة الصحة في غزة، ارتفاع أعداد المصابين بفيروس التهاب الكبد "أ" في مختلف مناطق القطاع، محذرًا من أن المرض ينتشر بسرعة بين السكان بسبب ظروف المعيشة المزرية، لافتًا إلى أن الفيروس ينتقل بين الأشخاص بشكل رئيسي عبر تناول الطعام أو شرب المياه الملوثة، إضافة إلى مشاركة أدوات المريض المصاب بالفيروس.
ويوضح أن المرض يصيب جميع الفئات العمرية، لكنه يزداد انتشارًا في البيئات الملوثة، خصوصًا في الأماكن المكتظة والخيام التي تضم آلاف النازحين والمُحاطة بمياه الصرف الصحي.
وأشار إلى الأعراض المصاحبة للمرض، والتي تشمل ارتفاع درجة حرارة الجسم، والغثيان، واليرقان أو اصفرار الجلد والعينين، مضيفًا أن شدة الأعراض تختلف من شخص إلى آخر حسب طبيعة المناعة والتغذية السليمة للمصاب.
غير مسبوقة
وحذر من أن انتشار الفيروس يرتبط ارتباطًا وثيقًا بانعدام النظافة والخدمات الأساسية والمياه، داعيًا السكان إلى تعزيز النظافة الشخصية وغسل اليدين بانتظام، وتفادي مياه الصرف الصحي والأطعمة المكشوفة والمشروبات الملوثة، فضلاً عن تغطية خزانات مياه الشرب وإغلاق غالونات المياه بإحكام.
وحذّر استشاري طب الأسرة الدكتور بسّام أبو ناصر، من كارثة صحية غير مسبوقة تضرب قطاع غزة، بعد انهيار منظومة الوقاية والتعقيم خلال الحرب.
وأوضح أن انتشار التهابات الكبد الوبائي وصل إلى مستويات "تفوق قدرة أي نظام صحي على الاحتمال"، وأن القطاع يواجه أخطر موجة تفشٍ للفيروس مع عشرات الآلاف من الإصابات التي ربما تجاوزت 70 ألف حالة، خصوصًا بين المخيمات ومراكز الإيواء المكتظة.
وأرجع ارتفاع الإصابات إلى غياب أبسط وسائل التعقيم، استخدام الأدوات الشخصية بشكل مشترك، وانعدام الفحوصات المخبرية، إضافة إلى عدم توفر التطعيمات أو الفحوصات السابقة لها، ما يتيح للفيروس الانتقال بين عشرات الأشخاص قبل اكتشاف الحالات.
في السياق ذاته أكد مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، إن استمرار تفشي التهاب الكبد الفيروسي "أ" في قطاع غزة ينذر بمضاعفات صحية خطيرة، قد تصل إلى فشل وظائف الكبد، والتليّف، وربما تطور الحالة إلى أورام سرطانية، محذرًا من أن المنظومة الصحية باتت عاجزة تمامًا عن السيطرة على هذا الانتشار المتسارع.
وأكد أن النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية يفاقم من حدة المرض، لا سيما بين المصابين بأمراض مزمنة كمرضى السكري والكلى، في وقت تسهم فيه المياه الملوثة، وتكدس النازحين داخل المخيمات ومراكز الإيواء، في تسريع انتقال الفيروس داخل الأسر وعلى نطاق واسع، داعيًا المؤسسات الصحية الدولية إلى تدخل عاجل قبل فقدان المزيد من الأرواح.