قائمة الموقع

تقرير فاقدو السمع في غزة.. فقدان السماعات الطبية يقطع ضجيج حياتهم ويضعهم في عزلة صامتة

2026-02-09T09:43:00+02:00
فاقدو السمع في غزة.. فقدان السماعات الطبية يقطع ضجيج حياتهم ويضعهم في عزلة صامتة
وكالة شهاب

في مخيمات النزوح بقطاع غزة، يواجه الأطفال المصابون بمشكلات السمع واقعًا أكثر قسوة من غيرهم، حيث تتحول الإعاقة السمعية في ظل الحرب إلى خطر يومي. فمع انعدام الكهرباء، وشحّ المستلزمات الطبية، وتوقف خدمات الصيانة، لم تعد السماعات الطبية مجرد وسيلة مساعدة، بل ضرورة أساسية للبقاء على اتصال بالعالم من حولهم.

فقدان الأصوات من حولهم لا يعني الصمت فقط، بل فقدان القدرة على التواصل والشعور بالأمان. عشرات الأطفال يجدون أنفسهم معزولين عن محيطهم، غير قادرين على متابعة حياتهم كأقرانهم، سواء في اللعب بين الخيام، أو الوصول إلى النقاط التعليمية، أو المشاركة في الأنشطة الترفيهية التي تنظمها المؤسسات الأهلية لدعم الأطفال نفسيًا في بيئة النزوح.

يقول مدير جمعية أطفالنا للصم، فادي عابد، أن الحرب على قطاع غزة ألقت بآثار قاسية على الصم وذوي الإعاقات السمعية، وأعاقت حصولهم على الخدمات الصحية والتأهيلية الأساسية، في ظل تدهور المنظومة الصحية وتعطل عمل المراكز المتخصصة.

دُفنت تحت ركام

وويوضح إن نحو 35 ألف طفل وبالغ في القطاع مهددون بفقدان السمع، سواء بشكل دائم أو مؤقت، مشيرًا إلى أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر عرضة للخطر، الأمر الذي ينعكس على تطور قدراتهم على النطق واكتساب اللغة.

ويشير إلى أن تدمير المرافق الصحية والتأهيلية، وتوقف عمل المراكز المتخصصة، أدى إلى فقدان كثير من المرضى أجهزتهم المساعدة، كالسماعات الطبية وزراعة القوقعة، في وقت يشهد فيه القطاع نقصًا حادًا في السماعات والبطاريات وقطع الغيار نتيجة القيود على إدخال المعدات الطبية.

وعلى الصعيد النفسي، يلفت إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال الصم يعانون أوضاعًا نفسية صعبة، تظهر في سلوكيات مرتبطة بالخوف والصدمات، خاصة في ظل النزوح المتكرر ومشاهد وتداعيات الحرب على الحياة اليومية.

ويضيف أن جمعية أطفالنا للصم تعرضت لأضرار جسيمة جراء القصف، ما أدى إلى توقف خدماتها التعليمية والتأهيلية التي كانت تقدمها لمئات الأطفال لفترات طويلة، مؤكدًا الحاجة إلى دعم عاجل لتأمين السماعات الطبية والبطاريات، وتوفير خدمات فحص وتأهيل في مناطق النزوح.

وتقول والدة سامرابو القرايا البالغ من العمر 14 عامًا، أن سماعته الطبية قد دُفنت تحت ركام منزلهم في حي التفاح شرق غزة، بعد القصف الذي دمّر أجزاء كبيرة من المنطقة في نهاية عام 2025. منذ تلك اللحظة، انقطع سامر تمامًا عن العالم من حوله، لم يعد يسمع أصوات والديه، أو تحذيرات القصف، أو أصوات أصدقائه ومرحهم.

تضيف: "كل يومحانت الفرصة أمام سامر، يذهب خلسة إلى ركام منزلنا فى حى التفاح، لينبش الركام بعناية باحثًا عن سماعته، وفى كل مرة يتجمد الدم فى عروقنا انا والده خوفا عليه لاقتراب ركام منزلنا من الخط الأصفر، ومناطق القصف التى لم تتوقف حتى مع انتهاء الحرب."

وتنوه لـ"شهاب": ان سامر يخبرها بلغة الاشارة كلما غضبت منه لذهابه الى مناطق خطرة للبحث عن سماعته، انه شبه الاموات بدون سماعته، وانه يذهب للبحث عنها كى يعيش ويتواصل مع الاخرين.

وتستطرد والدة سامر: مع فقدان السماعة، أصبح الصمت يحيط بسامر في كل مكان، وأصبحت حياته اليومية مليئة بالغموض والخطر، فكل الأصوات التي كانت تربطه بالعالم اختفت، والصمت حوله جعل كل شيء موحشًا، وعزلته عن الحياة حقيقية ومخيفة.

أما والدة الطفلة ليان صباح البالغة من العمر 11 عامًا، تصف سماعة طفلتها الطبية بأنها محور حياتها؛ هي التي تربطها بالعالم من حولها، وتمكنها من التفاعل معي ومع أصدقائها والمدرسة، ومتابعة أخبار تفاصيل الحياة اليومية التى ننعيشها.

وتتابع: شحن السماعة فى مراكز النزوح هو من اكبر التحديات التى أواجها يوميا، فشحن السماعة يعنى انه على الذهاب الى نقاط شحن الهواتف المحمولة والانتظار لساعتين على الاقل حتى يتم شح البطارية، ولا استطيع تركها تشحن لوحدها، لان اى سقوط للسماعة او وضع اي ثقل عليها قد يؤدى الى تلفها بشكل كامل.

غزلة تامة

وتوضح والداتها لـ"شهاب": ان سماعتها قديمة تنفد بطاريتها بسرعة، وهذا يتركها ساعات طويلة بلا سمع، بلا حماية، بلا أمان، منوهة انها تتمنى ان يسمح الاحتلال بدخول المستلزمات الطبية لتعود طفلتها الى حياتها الطبيعية، فما تعيشنه الان ليس تعايش مع الاعاقة السمعية، بل معركة مستمرة للحفاظ على التواصل مع العالم من حولهم.

في حين تقول والدة الطفلة شذي حسونة البالغة من العمر 9 أعوام، ان طفلتها فقدت سماعتها الطبية بعد تدمير منزلها في معسكر جباليا منتصف عام 2024، ومنذ تلك اللحظة تعيش نور فى غزلة تامة عن حياتنا.

وتقول: "لم تعد تسمع أصوات والدتها وهي تناديها، ولا أصوات الانفجارات، ولا حتى ضحكات إخوتها. كل يوم تحاول التكيف مع صمتها، وتعيش على الإشارات وحركة الشفاه، لكنها تشعر بالوحدة والخوف المستمر، والخطر يلازمها في كل خطوة، خصوصًا أثناء النزوح أو المرور في مناطق الركام حيث الانفجارات لا تزال تهدد حياتها."

وتؤكد: "نور ليست مجرد طفلة فاقدة للسمع، بل رمز لكل طفل في غزة حُرِم من صوته وعالمه، تكافح لتجد طريقها وسط الصمت، وتحاول استعادة معاني الحياة التي أخذتها الحرب بالقوة."

ترسم مشرفةُ اختصاصيي السمع والتوازن في مستشفى حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، سهى الهيثم، صورةً قاسيةً للواقع الذي يعيشه قسم السمع بعد الدمار الذي لحق به، مؤكدةً أن البنية التشخيصية للقسم تعرضت لضربة كبيرة أفقدته معظم أدواته الأساسية.

ضغطاً مضاعفاً و إمكانات محدودة

توضح الهيثم لـ"شهاب" أن وحدة التشخيص تضرّرت بشكل كامل، ما أدى إلى خسارة أجهزة قياس السمع، وأنظمة فحص استجابة جذع الدماغ السمعية (ABR)، وأجهزة الزراعة، وحتى ملفات المرضى. وتشير إلى أن الطواقم تمكّنت من إصلاح عدد محدود من أجهزة فحص السمع، إلا أن ما جرى استصلاحه لا يوازي حجم الطلب المتزايد، الأمر الذي أجبرهم على إجراء الفحوصات المختلفة لجميع الحالات باستخدام جهاز واحد فقط.

وتلفت إلى معضلة إضافية تتمثل في نقص السماعات المخصصة للأطفال زارعي القوقعة، موضحة أن المتوفر منها لا يغطي سوى جزء ضئيل من الاحتياج الفعلي. ورغم هذه الظروف، يستقبل القسم قرابة 35 حالة يومياً، ما يضع ضغطاً مضاعفاً على الإمكانات المحدودة.

وترى الهيثم أن عودة المستشفى للعمل تمثل بارقة أمل للأطفال فاقدي السمع وزارعي القوقعة، بعد فترة انقطاع طويلة تركت آثاراً نفسية واجتماعية واضحة عليهم، لكنها تؤكد أن الطريق ما يزال مليئاً بالتحديات، وفي مقدمتها نقص السماعات وبطاريات الزنك، إلى جانب توقف عمليات زراعة القوقعة كلياً بسبب غياب الكوادر الطبية المختصة وعدم توفر الزراعات الداخلية اللازمة للجراحة.

وتتحدث الهيثم لـ" شهاب" عن أزمة متفاقمة في توفر السماعات الطبية والبطاريات وقطع الغيار، وهو ما يزيد الأعباء على فاقدي السمع وأسرهم. وتوضح أن المستشفى يواصل إجراء الفحوصات وتصميم قوالب السماعات للمرضى، إلا أن شح الأجهزة نفسها يبقى العائق الأكبر، مع وجود أكثر من 85 حالة على قوائم الانتظار لتركيب سماعات.

وتشير كذلك إلى أن عدداً من المرضى الذين يمتلكون سماعات سابقة تراجع مستوى سمعهم نتيجة التعرض المتكرر للأصوات العالية والانفجارات، ما يستدعي استبدال أو تحديث أجهزتهم، وهو ما يضاعف الضغط على القسم.

تالفة أو مهترئة

وتضيف أن كثيراً من السماعات الحالية لدى المرضى أصبحت تالفة أو مهترئة، وبعضها انتُشل من تحت أنقاض المنازل، في حين يفتقر قسم الصيانة لقطع الغيار الضرورية لإصلاحها. أما البطاريات، فتصفها بأنها أبسط الاحتياجات وأكثرها ندرة في الوقت ذاته، نظراً لصعوبة إدخالها إلى غزة، إذ غالباً ما تصل بكميات محدودة مع الوفود القادمة.

وفي ما يتعلق بالأطفال زارعي القوقعة، تؤكد وجود نقص حاد في المعالجات الخارجية، والبطاريات القابلة للشحن، والشواحن، وأجهزة إزالة الرطوبة، وقطع الرأس، معبرة عن أسفها لوصول الطواقم أحياناً إلى مرحلة المفاضلة بين الحالات بسبب قلة الموارد وكثرة المحتاجين.

وتختصر الهيثم جوهر الأزمة بقولها إن فقدان السمع لا يعني فقط غياب الصوت، بل انقطاع التواصل وتراجع فرص التعليم وازدياد المخاطر اليومية، مشيرة إلى أن نفاد بطارية السماعة قد يدفع الطفل إلى عزلة كاملة، بينما استعادة السمع تمثل له بداية حياة جديدة.

اخبار ذات صلة