تدخل قضية الأسرى الفلسطينيين في السجون "الإسرائيلية" مرحلة جديدة تحمل تهديدًا مباشرًا لحياتهم بعد كشف وسائل إعلام عبرية عن إجراءات تطبيق مشروع قانون "عقوبة الإعدام" بحقهم بعد إقراره بالقراءة الأولى في الكنيست
يطرح القانون انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان، ويفتح الباب أمام ما يعتبره خبراء حقوقيون جريمة ممنهجة ضد الأسرى
يجيز القانون إمكانية إصدار أحكام الإعدام حتى في حالات عدم وجود نية مسبقة، ويستثني أي تطبيق على الإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم مشابهة بحق الفلسطينيين، ما يجعل العقوبة انتقائية بشكل صارخ ، يضع الأسرى تحت تهديد مباشر، ويحوّل سجون الاحتلال إلى أداة تنفيذية للقتل، في جريمة منظّمة لم يشهدها ملف الأسرى الفلسطينيين من قبل.
مرحلة أكثر دموية
واعتبر مكتب إعلام الأسرى ما كشفته القناة 13 العبرية حول شروع إدارة سجون الاحتلال في تسريع الاستعدادات لتطبيق قانون عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين بعد إقراره بالقراءة الأولى، خطوة خطيرة جدًا تفتح الباب أمام مرحلة أكثر دموية تحاك بحق أسرانا الأبطال.
وقال المكتب في بيان يوم الاثنين: إن الحديث عن إنشاء مجمع خاص لتنفيذ أحكام الإعدام وبلورة إجراءات عمل وتأهيل كوادر بشرية والاستفادة من تجارب دول أخرى كما جاء في تقرير القناة العبرية، يؤكد أن الاحتلال ماض في جريمة الإبادة بحق أسرانا، في مخالفة واضحة لكافة المواثيق والمعايير الدولية التي تكفل الحق في الحياة.
وحذر من أن الدفع باتجاه إقرار هذا القانون نهائيًا يشكل تحولًا خطيرًا في منظومة القمع الصهيونية ويعكس نزعة متطرفة تسعى لشرعنة القتل.
وأوضح أن ذلك يأتي في سياق سياسات ممنهجة تستهدف الأسرى داخل السجون عبر الإهمال الطبي والعزل الانفرادي والتنكيل المستمر.
وأكد أن مواصلة الاحتلال استعداده لشرعنة تنفيذ عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين لن يكسر إرادة شعبنا، مشددًا على أن هذه السياسات لن تفلح في انتزاع شرعية نضال أسرانا، ولن تنال من ثباتهم وصمودهم. وحمل إعلام الأسرى حكومة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تبعات هذا التصعيد.
من جانبه أكد الباحث والأسير المحرر رامي أبو زبيدة على أن هذه المرحلة تُعد من أخطر مراحل تاريخ الحركة الأسيرة، لأنها تنقل الأسير الفلسطيني من قضية وملف تفاوضي أو أمني إلى هدف مباشر للتصفية تحت غطاء قانوني، مما يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وحق الحياة، ويهدد مستقبل الأسرى الفلسطينيين داخل السجون وخارجها.
وكشف أن مداولات لجنة الأمن القومي في "الكنيست الإسرائيلي" بشأن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين كشفت عن انتقال النقاش من مجرد جدل قانوني وسياسي إلى البحث في آليات التنفيذ العملية، في خطوة وصفها أبو زبيدة بأنها تعكس محاولة تشريع القتل المنظّم تحت غطاء قانوني.
وأوضح أبو زبيدة لـ “شهاب" أن جلسات اللجنة شهدت نقاشًا حول وسائل تنفيذ الإعدام، تم عرضها بصيغ تقنية وأُرفقت بتبريرات أمنية و"نفعية"، وهو ما يعكس، حسب وصفه، التعامل مع حياة الأسرى وكأنها مسألة إجرائية بحتة، بعيدًا عن أي اعتبار إنساني أو قانوني.
مستوى الحرب النفسية
وقال إن من بين الخيارات المطروحة الحقن بالسم، الذي قُدم باعتباره "الأكثر إنسانية"، إضافة إلى قناع النيتروجين، الذي يُختبر في الولايات المتحدة ويُقدم كخيار أقل تعقيدًا من حيث الإجراءات، بالإضافة إلى الإعدام بالرصاص بوصفه يؤدي إلى "موت فوري"، من دون نقاش موسع حول التبعات القانونية أو السياسية لكل خيار.
وأشار أبو زبيدة إلى أن "الإعدام شنقًا" كان الخيار المفضّل لدى رئيس اللجنة ومقدّمي مشروع القانون، وأُدرج كشرط في الصيغة المقترحة للتشريع.
وأوضح أن تفضيل الشنق لم يكن مبنيًا على اعتبارات قانونية فقط، بل حمل دلالات رمزية وثقافية، حيث رأى بعض المشاركين، ومن بينهم ضباط أمن سابقون، أن الشنق يحمل "رمزية ردعية" داخل المجتمع الفلسطيني، وأن أثره النفسي يتجاوز مجرد العقوبة لتصل إلى مستوى الحرب النفسية والتهديد الجماعي.
وأضاف أبو زبيدة أن مواقف الأجهزة الأمنية كانت متفاوتة، مشيرًا إلى أن جهاز الشاباك أبدى دعمًا مبدئيًا لعقوبة الإعدام، مع تأكيد ضرورة إبقاء سلطة تقديرية للقضاة عند إصدار الأحكام، بينما بقي موقف الموساد مغلقًا، ما يترك المجال مفتوحًا أمام التسريبات واستخدام التقديرات الأمنية بطريقة انتقائية.
وأكد الباحث أن ما يجري في حول قانون الإعدام يعكس تحولًا خطيرًا في مقاربة الاحتلال لقضية الأسرى، من سياسات القمع والاحتجاز إلى محاولة تشريع القتل الممنهج وتحويله إلى أداة ردع جماعي وبث للخوف داخل المجتمع الفلسطيني.
ورأى أبو زبيدة أن مشروع القانون لم يعد شأنًا فرديًا يخص الأسرى وحدهم، بل أداة ردع جماعي تستهدف الفلسطينيين عمومًا، خاصة مع تركيز النقاش على الرمزية النفسية للعقوبة ووسائل التنفيذ المتعددة، من الحقن بالسم وقناع النيتروجين والإعدام بالرصاص وصولًا إلى الشنق.
وأضاف أن ما يحدث يحوّل العقوبة من إجراء قضائي إلى وسيلة تهديد جماعي تهدف إلى بث الخوف وتقويض المعنويات، داعيًا إلى تحرك وطني وحقوقي موحّد، مدعوم بضغط دولي وإعلامي، لمنع تطبيق القانون، إلى جانب رفع الوعي الشعبي بخطورة المرحلة وضرورة الجهوزية لأي محاولة لتنفيذه.
وأكد أبو زبيدة أن مشروع القانون أثار رفضًا دوليًا واسعًا، حيث دعا 12 خبيرًا من الأمم المتحدة إسرائيل إلى سحبه، معتبرين أن تطبيقه في الأراضي المحتلة ينتهك القانون الدولي.
وأوضح أن القانون يسمح بإعدام أي فلسطيني يتسبب، عمدًا أو دون قصد، في مقتل إسرائيلي، بينما لا يُطبق على إسرائيلي يقتل فلسطينيًا، وهو ما يشكل انتهاكًا للحق في الحياة وتمييزًا واضحًا ضد الفلسطينيين.
جريمة حرب
فيما اعتبر الخبير القانوني الدكتور صلاح عبد العاطي، أن ما أقره الاحتلال الإسرائيلي مؤخرًا من قانون لإعدام الأسرى الفلسطينيين يشكل تشريعًا باطلًا ومنعدم الأثر من منظور القانون الدولي الإنساني وقوانين حقوق الإنسان، مؤكدًا أنه يعد جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان.
وأوضح عبد العاطي لـ"شهاب" أن القانون لا يمكن اعتباره إجراءً جنائيًا عاديًا، بل هو تشريع عقابي استعماري يستهدف فئة محمية بموجب القانون الدولي، ويهدف إلى شرعنة القتل المتعمد وتحويل الإعدام خارج نطاق القانون إلى سياسة رسمية مقننة.
أكد الخبير القانوني أن مشروع القانون يشكل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، لا سيما اتفاقية جنيف الثالثة المتعلقة بأسرى الحرب، والاتفاقية الرابعة الخاصة بحماية المدنيين في الأراضي المحتلة، فالقانون يجيز تنفيذ الإعدام ويفرض عقوبات قاسية، ويشرعن محاكمات عسكرية غير عادلة، بما يقلص بشكل مباشر الحق في الحياة والكرامة الإنسانية للأسرى.
كما ينتهك القانون مبدأ الحماية الجماعية للسكان، من خلال فرض تشريعات عقابية انتقامية تستهدف الفلسطينيين بشكل انتقائي، ما يجعله خارجًا عن كل الأطر القانونية الدولية ويصنفه خبراء حقوقيون كجريمة ممنهجة
وحول الإجراءات التي يمكن أن تتخذها المؤسسات الدولية، أوضح عبد العاطي أن تطبيق هذا القانون يعرض قادة الاحتلال لمسؤوليات قانونية دولية جسيمة.
إعلان حرب
وحذر عبد العاطي من أن القانون سيؤدي إلى تعريض حياة الأسرى لخطر مباشر وتحويل السجون إلى ساحات إعدام رسمية، مع تصعيد التعذيب والإهمال الطبي تحت غطاء تشريعي. كما سيستخدم الإعدام كأداة ضغط وانتقام سياسي، ويؤدي إلى تدمير النسيج الاجتماعي للأسرى وعائلاتهم، وإلحاق أذى نفسي جماعي طويل الأمد، بما في ذلك انتهاك حق العائلات في معرفة مصير أبنائها واحتجاز الجثامين لاحقًا.
وأكد الخبير أن القانون يشكل سياسة عقاب جماعي، لأنه يستهدف الأسرى الفلسطينيين بسبب انتمائهم الوطني والسياسي، ويستخدم كأداة ردع جماعي بحق الشعب الفلسطيني، مخالفًا مبدأ شخصية العقوبة والحظر المطلق للعقوبات الجماعية في القانون الدولي، مما يجعله جريمة دولية مستقلة وليست مجرد انتهاك عرضي.
يرى الخبير القانوني أن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ليس تشريعًا داخليًا عاديًا، بل إعلان حرب على القانون الدولي واختبارًا لمصداقية المجتمع الدولي. وأي صمت أو تردد في مواجهته يُعد تواطؤًا فعليًا، ويمنح الاحتلال الضوء الأخضر لمزيد من الجرائم بحق الأسرى الفلسطينيين.