لم تعد جرة الغاز مجرد وسيلة للطبخ، بل تحوّلت إلى "ثروة" تُدَّخر في أيام الإبادة وتداعياتها، فقد اتجهت آلاف من العائلات الغزية إلى ادخار حصتهم في تعبئة غاز الطهي لشهر رمضان المبارك، إذ ترتبط موائد الإفطار والسحور وطقوس العبادة بروائح الطعام الساخن ولمّة العائلة التي حُرموا منها لموسمين كاملين من رمضان خلال الحرب.
ويقول علاء أبو العوف "45 عامًا"، يعيش في خيمة بمركز نزوح غرب مدينة غزة: قررت وزوجتي الاحتفاظ بجرة الغاز منذ أربعة أشهر كاملة، وعدم استخدامها رغم حاجتنا اليومية إليها.
اتفاق الجميع
ويضيف: اعتمدنا خلال شهري رمضان اللذين عشناهما خلال الإبادة على الطهي على الحطب بسبب غياب الغاز حينها، وهو ما جعل مائدة الإفطار في رمضان تقتصر غالبًا على صنف واحد فقط بسبب طول وقت الإعداد، وصعوبة التحكم بالنار، وسوء أنواع الحطب المستخدم في الطهو.
ويتابع إن الطبخ على الحطب "يعني تعبًا ووقتًا طويلًا من أجل طبق واحد"، موضحًا أن بات حلمه أن يعيش رمضان كما كان عليه الحال قبل الحرب، مائدة تشبه موائد السنوات الماضية: "طبق شوربة ساخن، بعض حبات السمبوسة، وجبة رئيسية، لذلك فضّلت تحمّل المشقة لأشهر، مقابل الاحتفاظ بالغاز لرمضان".
في حين تقول أم رائد عفانة لـ"شهاب": جاء دوري في تعبئة جرة الغاز بداية ديسمبر الماضي، عندها قفزت من الفرحة أنا وأطفالي، اتخذت قرارًا صارمًا بعدم استخدامها إلا في رمضان.
وتقول إن غياب الغاز خلال السنوات الماضية جعل وجبة السحور شبه ملغية في منزلهم، إذ يصعب عليّ الاستيقاظ والوقوف لأكثر من ساعتين لإعداد الطعام على الحطب، فضلًا عن الخوف من إشعال النار ليلًا، وما قد يسببه ذلك من كوارث محتملة.
وتضيف: أشعر بفرحة كبيرة لأنني سأتمكن أخيرًا من إعداد سحور لأطفالي حديثي الصوم، حيث حُرموا لعامين من السحور الدافئ واللقمة "الطرية"، مضيفة أن "البيض المسلوق سيعود إلى سفرة السحور بعد غياب دام ثلاث سنوات".
أما سلطان أبو حصيرة فيقول لـ"شهاب": حصلت على حصتنا في غاز الطهي بداية العام، وكان يوم وصول الجرة يومًا احتفاليًا بالدرجة الأولى، وبدأت الأحلام بأطباق الطعام الحقيقة تتصاعد إلى أفكار أولادي، لكن سرعان ما انتهى هذا الاحتفال باتفاق الجميع على ادخارها "جرة الغاز" لرمضان.
ويتذكر أبو حصيرة رمضان في غياب الغاز، فيقول: تراجعت كثير من مظاهر رمضان؛ نصوم ونفطر على أطعمة باردة، أصناف محدودة، وأطباق سريعة لا تحتاج وقتًا طويلًا على النار، نقضي النهار بجمع الحطب وإشعال النار، ومن ثم تناول وجبة لا تسر عدوًا ولا صديقًا.
ويقول إنه هذا العام، وبعد معاناة طويلة: سنأكل القطايف المغمورة بالقطر بعد العودة من صلاة التراويح، وستعدّه زوجتي دون تذمر، مؤكدًا أن ثروته المخبأة ستعيد جزءًا من نكهة رمضان التي افتقدها لعامين كاملين.
ووبحسب المكتب الإعلامي الحكومي، والكشوفات المنشورة لوزارة الاقتصاد، فإن قوات الاحتلال تسمح بدخول ست شاحنات غاز أسبوعيًا، بمعدل شاحنة واحدة يوميًا، فيما تبلغ حمولة كل شاحنة قرابة 20 طنًا، تكفي لتعبئة 2500 مستفيد، وبذلك لا يتجاوز عدد المستفيدين أسبوعيًا 15 ألف فلسطيني في أفضل الأحوال.
في المقابل، يزيد عدد العائلات المسجلة ضمن نظام الغاز المعمول به عن 300 ألف عائلة، ما يعني أن الفرد الواحد عليه الانتظار أكثر من 20 أسبوعًا للحصول على دور جديد ضمن كشوفات التوزيع، ما لم تُجرِ قوات الاحتلال زيادة في كميات الغاز التي تدخلها للقطاع.
هذا التباطؤ الحاد في آلية التوزيع حوّل غاز الطهي إلى سلعة نادرة، وأجبر آلاف العائلات على اللجوء إلى بدائل بدائية وخطرة، مثل مواقد السولار والحطب والأقمشة، لتأمين احتياجاتهم اليومية من الطهي.
"إدارة الندرة"
من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر لـ"شهاب": إن عدد الشاحنات التي تغادر يوميًا من غزة لاستلام الغاز يتراوح بين 7 و8 شاحنات، إلا أن التي تُعبّأ فعليًا لا تتجاوز شاحنة أو اثنتين، بينما تعود البقية فارغة، ما يقلّص فعليًا حجم الإمدادات الواصلة للسوق المحلي.
ويشير إلى أن الكميات المحدودة تُوزّع عبر النظام الإلكتروني المعتمد، حيث تحصل كل محطة على حصة تشغيلية لا تزيد عن 1200 كغم، وهي كمية لا تغطي سوى جزء يسير من الطلب الفعلي، الأمر الذي يضع المواطنين والموزعين أمام ضغط متواصل نتيجة اتساع الفجوة بين العرض والطلب.
ويتابع: الأرقام المرتبطة بمرحلة ما بعد الهدنة تكشف عمق الأزمة، إذ تنص الترتيبات الإنسانية على إدخال نحو 50 شاحنة وقود وغاز يوميًا، إلا أن ما يُسمح بدخوله فعليًا لا يتجاوز، في أفضل الأحوال، 7 شاحنات، أي أقل من خُمس الاحتياج.
وفي ملف غاز الطهي تحديدًا، دخل إلى القطاع منذ بدء الهدنة وحتى نهاية يناير 307 شاحنات فقط، بكمية إجمالية بلغت 6458 طنًا، مقارنة بتفاهمات كانت تتحدث عن إدخال 1500 شاحنة خلال الفترة نفسها.
يوضح أبو قمر أن غاز الطهي والوقود عمومًا عنصران حاسمان في تحديد كلفة المعيشة، لارتباطهما المباشر بالنقل والإنتاج والخدمات، ويؤدي شح الكميات، بحسب تقديره، إلى خلق اختلال حاد في السوق، ويفتح المجال أمام الاحتكار والسوق السوداء.
ورغم تسجيل انخفاض نسبي في سعر لتر السولار مؤخرًا، إلا أنه يصف هذا الانخفاض بأنه هش ومرتبط بكميات غير مستقرة.
ويرى أن إدخال كميات محدودة تمنع الانهيار دون أن تسمح بالتعافي يندرج ضمن سياسة "إدارة الندرة"، مشددًا على أن الوقود في غزة يتجاوز كونه سلعة تشغيلية ليصبح عاملًا مؤثرًا في مستوى الحياة اليومية وقدرة المرافق الحيوية على العمل، من مستشفيات ومحطات مياه ومخابز.