أكد الخبير القانوني صلاح عبد العاطي أن طرح مسودة دستور مؤقت لدولة فلسطين في هذه المرحلة يطرح أسئلة وجودية تتعلق بمصير المشروع الوطني، في ظل حرب الإبادة المتواصلة في غزة، وتسارع الضم في الضفة الغربية، وتصاعد تهويد القدس، ومحاولات إعادة تشكيل الوجود الفلسطيني سياسيًا وإضعاف مؤسساته.
وأوضح عبد العاطي أن المسألة الدستورية لا يمكن التعامل معها كنقاش فني حول الصياغات، بل كسؤال مرتبط بما إذا كان الفلسطينيون بصدد إعادة تأسيس دولة عبر حركة تحرر وطني، أم إعادة تنظيم سلطة تحت الاحتلال في ظل أزمة شرعية، أم نقل مؤسسات السلطة إلى إطار دولة استنادًا إلى الاعترافات الدولية وقرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية.
وشدد على أن تحديد الإجابة ينعكس مباشرة على شكل النظام السياسي وأولوية الانتخابات وموقع المجلس الوطني.
وانتقد عبد العاطي تقديم الدستور كمدخل للإصلاح، معتبرًا أن المدخل الصحيح يبدأ بإعادة بناء الشرعية التمثيلية عبر انتخابات مجلس وطني شامل يمتلك تفويضًا لإقرار الدستور والبرنامج الوطني.
ولفت إلى أن التعامل مع الدستور وكأن الدولة قائمة ذات سيادة يتجاهل واقع استمرار الاحتلال، محذرًا من تحويل العملية إلى “دسترة سلطة” بدل “دسترة حركة تحرر”.
وأشار إلى أن الأزمة تتعلق بالبنية السياسية أكثر من النصوص، في ظل تعطيل المجلس التشريعي، وضعف دور منظمة التحرير الفلسطينية، وغياب المساءلة واستمرار نمط الحكم الرئاسي المركّز وغياب القيادة الوطنية الجامعة. واعتبر أن أي دستور دون تغيير في موازين القوة سيبقى بلا أثر عملي.
وفي تقييمه لمسودة الدستور المؤقت، قال عبد العاطي إنها أُعدّت بقرار رئاسي منفرد ودون تفويض شعبي أو مجلس وطني منتخب، ما يضعف شرعيتها التأسيسية.
كما حذّر من أن إصدار إعلانات دستورية وتعديلات جوهرية بقرار فردي يكرّس نمطًا خطيرًا سياسيًا وقانونيًا، ومن خطر تحوّل المرحلة المؤقتة إلى وضع دائم في ظل غياب تحديد واضح لمدتها وآليات إنهائها.
وبيّن أن النصوص المقترحة تعزز الطابع الرئاسي وتُركّز الصلاحيات بيد الرئيس مقابل ضعف أدوات الرقابة وغياب آليات عزل فعالة وعدم تحصين كافٍ لاستقلال القضاء، مؤكدًا الحاجة إلى نظام برلماني يعزز المساءلة ويمنع احتكار القرار.
كما أشار إلى أن موقع منظمة التحرير والمجلس الوطني بقي غامضًا دستوريًا، ما قد يخلق فراغًا مؤسسيًا وازدواجية في الشرعية.
وفي ملف الحقوق والحريات، أوضح أن تضمين الحقوق نظريًا لا يكفي دون آليات محاسبة وتعويض وضمانات تمنع تعليق الحقوق بذريعة الطوارئ أو تغوّل الأجهزة الأمنية.
ولفت إلى أن المسودة تجاهلت تعريف حالة الاحتلال وأثرها على ممارسة السيادة، ولم تتضمن تصورًا لكيفية إدارة السلطة تحت الاحتلال أو التعامل مع القوة القاهرة. كما انتقد غياب منظومة واضحة للعدالة الانتقالية لمعالجة الانتهاكات والفساد وجرائم الاحتلال.
وأكد عبد العاطي أن نصوصًا أساسية غابت عن المسودة، مثل النص الصريح على حق تقرير المصير وحق العودة، وحماية الأسرى والمعتقلين، وحقوق الشهداء والجرحى، والالتزام بملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة. ورأى أن الحديث عن العدالة الاجتماعية يظل ناقصًا دون معالجة التبعية القسرية للاحتلال وغياب السيادة على الموارد.
وفي ما يتعلق بالإصلاح السياسي، شدد على أن انتخابات المجلس الوطني تمثل المدخل الصحيح لإعادة بناء الشرعية، رغم صعوبة تحققها في ظل تجارب سابقة من تعطيل الانتخابات.
وأشار إلى صدور مرسوم لإجراء انتخابات المجلس الوطني في نوفمبر 2026، معتبرًا أن إنجاح هذا المسار يتطلب إجابات واضحة حول النظام الانتخابي، والإشراف، وضمان تمثيل الشتات، ومنع التأجيل أو الاستعاضة بالتعيين.
ودعا إلى اعتماد التمثيل النسبي الكامل وإتاحة التسجيل والاقتراع الإلكتروني لتجاوز العراقيل، مع إشراف وطني مستقل ومشاركة شاملة للفلسطينيين في الداخل والشتات، وإشراك النساء والشباب والمجتمع المدني والقوى السياسية كافة، وضمان تمثيل القدس رغم القيود.
ووضع عبد العاطي سلّم أولويات يبدأ بوقف الإبادة وإعادة الإعمار ومواجهة الضم والتهويد وتعزيز صمود الفلسطينيين ووحدة النظام السياسي، بالتوازي مع تشكيل قيادة وطنية موحدة وصياغة استراتيجية مواجهة شاملة، وصولًا إلى إعادة بناء منظمة التحرير وصياغة دستور من مجلس منتخب يعتمد النظام البرلماني ويؤسس لعدالة انتقالية.
وختم بالتأكيد أن المعركة الحقيقية هي معركة شرعية وبقاء سياسي، وأن إقرار دستور دون شرعية تمثيلية أو إجراء انتخابات مقيدة سيعيد إنتاج الأزمة بغطاء دستوري.
واعتبر أن الانتقال من السلطة إلى الدولة لا يتحقق بالنصوص، بل بإرادة سياسية جامعة ومؤسسات منتخبة واستراتيجية مواجهة واضحة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني وتحمي الحقوق الفلسطينية.