قائمة الموقع

على أعتاب رمضان… طقوس الغزيين برمضان تتلاشى وحياتهم تُدار "يومًا بيوم"

2026-02-15T09:17:00+02:00
صورة تعبيرية
وكالة شهاب

غيرت حرب الإبادة شكل الحياة في غزة لعقود طويلة، مئات آلاف العائلات بلا مصدر رزق أو معيل، وأكثر من مليون شخص بلا بيوت أو أماكن صالحة للعيش، لا ماء، ولا كهرباء، ولا غاز للطهي.

على أعتاب رمضان تغيب عن آلاف العائلات الغزية طقوسُه الرمضانية المعتادة، التي كانت ديدن الغزيين قبل الإبادة، فلا تحضيرات للأطعمة المفضلة، ولا اهتمام للفوانيس الصغيرة، التي لم تعد تحمل أي فرحة.

العوائل هنا تعيش حياتها يومًا بيوم، يكافحون من أجل لقمة بسيطة، ويواجهون كل صباح واقعًا مفروضًا عليهم، مليئًا بالخوف والجوع والفقد.

يفتح الجرح على مصرعيه

تقول أمل المنايعة "38 عامًا"، والتي تعيش في خيمة صغيرة داخل مركز إيواء غرب خان يونس: "لم أعد أستعد لرمضان كما كنت أفعل قبل الإبادة، فأنا لا أملك المال لشراء أي شيء، ولا المكان يسمح بذلك. هذه الخيمة أكافح فيها وحدي وأصارع الفئران والحشرات الموجودة في كل زاوية حتى لا تقترب ممن تبقى من أطفالي".

وتضيف: "رمضان بطقوسه يفتح الجرح على مصرعيه في قلبي، فلا شيء يعوض أمًّا فقدت ثلاثة من أبنائها عن تجمعهم حول مائدة الإفطار، فلا الطقوس ولا الاستعداد يمكنه أن يعيد ضحكة من ضحكاتهم باستقبال الشهر الفضيل".

تضيف أمل: "في ظل كل هذه المعاناة أحاول أن أعيش وعائلتي يومًا بيوم، لا أطمح لطعام شهي أو فوانيس، فقط أن ننجو نحن القليل المتبقي من عائلتي من ويلات الحرب".

في حين تقول أم براء راضون "34 عامًا": "يأتي رمضان وأنا بلا معيل بعد استشهاد زوجي في أغسطس الماضي. رمضان لم يعد يعني لي شيئًا، مقومات حياتي الآن محصورة في الحصول على وجبة طعام جيدة لأطفالي من "التكيات" التي تقدم الطعام للنازحين".

وتتابع: "أعيش يومي في معزل عن كل شيء، لماذا أشتري طعامًا لاستقبال رمضان وأنا غير متأكدة إن كنت سأبقى على قيد الحياة حتى قدوم رمضان؟" وتنوه أنه قبل أسبوع فقط قصف المخيم، واستشهد عدد من الأطفال حولي، فلا أمان ولا توقف للحرب إلا على وسائل الإعلام.

وتضيف: "أعتمد بشكل كلي على المساعدات الإنسانية، فهي مصدر رزق عائلتي الوحيد، وهي ما يبقينا على قيد الحياة، لا شيء آخر، لا نملك ما يتيح لي أي استعدادات للعيد أو أي فرحة رمضانية".

في حين يقول جلال أبو هدة "45 عامًا"، نازح في منطقة مواصي خان يونس: "أكثر ما علمتنا إياه الحياة في الحرب أن لا نخطط للغد، فكل لحظة نحن معرضون للانهيار أو الموت، فربما تفقد حياتك وأنت ذاهب للسوق لتشتري فانوس رمضان أو تسلم طبق طعام من أحد التكيات".

ميدان صمود

ويضيف: "منذ شهور عديدة وأنا والكثير من أهلي وأصدقائي نعيش على مبدأ يومًا بيوم، في كل شيء، وهكذا سأستقبل رمضان هذا العام، كل يوم يقسم الله لنا رزقه، فلا مصدر دخل نستند إليه للتخطيط لوجبة إفطار أو طبق فاكهة أو كيلو قطايف".

ويوضح جلال لـ"شهاب": أن حياتنا لم تعد كما في السابق، رمضان لم يعد شهر الطقوس والألوان الزاهية، بل صار ميدان صمود يومي، كل وجبة، كل خطوة، وكل لحظة، علينا أن نعيشها بوعي أن أي شيء قد ينتهي في لحظة… ونحن فقط نصمد كما نستطيع لحماية أسرنا وحياتنا وأرضنا.

من جانبه يقول الأخصائي الاجتماعي محمود عبد العزيز منصور إن نمط الحياة اليومي تغيّر جذريًا مع اقتراب رمضان مقارنة بما قبل الحرب، موضحًا أن العائلات كانت سابقًا تخطط للشهر من حيث الطعام والزيارات والعبادات الجماعية، أما اليوم فالتخطيط يكاد يقتصر على كيفية تأمين وجبة يومية ومياه صالحة للشرب والشعور بحد أدنى من الأمان، وتراجع الاستعداد المسبق لرمضان لصالح مبدأ يوم بيوم.

ويوضح منصور لـ"شهاب": "أن الاهتمام بالطقوس الرمضانية التقليدية تراجع إلى حد كبير جدًا، مبينًا أن هذه الطقوس تحتاج إلى استقرار نفسي وقدرة مادية وإحساس بالأمان، وحين تنشغل الأسرة بتأمين الغذاء والمأوى، تصبح الزينة والأطعمة الخاصة أمورًا كمالية لا يمكن التفكير بها".

وأكد أنه يمكن بوضوح ملاحظة انتقال أولويات العائلات من الطقوس الاجتماعية إلى احتياجات البقاء الأساسية، لافتًا إلى أن ذلك يظهر في تقليص الزيارات والتجمعات وغياب التحضيرات المعتادة، "وبات تركيز الأسر منصبًا على الغذاء والدواء والمأوى بدلًا من أي مظاهر اجتماعية رمضانية".

وبيّن منصور أن غياب الأجواء الرمضانية يترك أثرًا نفسيًا ثقيلًا على الكبار والأطفال، لأن رمضان يمثل ذاكرة جمعية مرتبطة بالطمأنينة واللمة، وعندما تغيب هذه الأجواء يتولد شعور بالفقد والحزن وعدم الاستقرار، بينما يشعر الأطفال بالحرمان لافتقادهم المظاهر التي ربطوها بالفرح.

وأضاف أن انعدام مصادر الدخل يجعل الاستعداد الرمضاني شبه مستحيل، إذ لا تستطيع الأسر شراء احتياجات إضافية أو تخزين مواد غذائية، فيتلاشى مفهوم الاستعداد للشهر ويحل محله تدبير الاحتياجات اليومية فقط.

وأشار إلى أنه يلاحظ لدى كثير من الأهالي مشاعر حزن وقلق مع اقتراب الشهر بدلًا من الفرح المعتاد، موضحًا أن القلق يرتبط بالتساؤلات حول توفر الاحتياجات واستمرار الأمان، ورغم ذلك يبقى البعد الديني والروحي حاضرًا لكنه مثقل بالواقع.

وختم بالقول إن الاعتماد على المساعدات الإنسانية غيّر مفهوم الناس لرمضان، فبعد أن كان موسمًا للتوسّع في الرزق والعطاء، أصبح لدى كثيرين شهر صمود وتكيّف تتضاعف فيه الحاجة للدعم الخارجي.

في حين، أكد المختص بالشأن الاقتصادي، سمير أبو مدللة، أن ما جرى في غزة يُصنف اقتصاديًا ضمن أسوأ الأزمات العالمية خلال العقود الأخيرة، مشيرًا إلى أن الحرب أضاعت سنوات طويلة من التنمية وأدت لتراجع مؤشرات الدخل الحقيقي والخدمات وفرص العمل إلى مستويات متدنية، وهو ما يفسر الانهيار السريع في مستوى المعيشة.

اقتصاد إغاثي عاجز

ولفت إلى أن اقتصاد المجتمع تحول إلى اقتصاد إغاثي عاجز عن توليد دخله ذاتيًا، وشدّد على أن أي حديث عن التعافي يبقى مشروطًا بتغيير جذري في البيئة السياسية والاقتصادية، موضحًا أن تقديرات إعادة الإعمار تتراوح بين عشرة إلى 15 عامًا في أفضل الأحوال.

وبيّن أبو مدللة أن أخطر ما أفرزته الحرب لا يتمثل فقط بتراجع الناتج المحلي أو ارتفاع البطالة، بل بتآكل القدرة المستقبلية للاقتصاد على التعافي، مضيفًا: "تدمير آلاف المنشآت الإنتاجية أفقد السوق المحلية ما يقارب 70% من طاقتها التشغيلية، ما يعني أنه حتى عودة الهدوء لن تعني عودة النشاط تلقائيًا، في ظل غياب رأس المال وانقطاع سلاسل التوريد وتراجع الطلب الداخلي إلى مستويات دنيا".

ووفق أبو مدللة، فإن فقدان رأس المال البشري يشكل نزيفًا اقتصاديًا صامتًا، مشيرًا إلى أن تعطل التعليم والعمل لفترات طويلة ينعكس مباشرة على الإنتاجية المستقبلية، "فجيل كامل مهدد بالخروج من سوق العمل دون مهارات، ما يخفض النمو المحتمل لسنوات قادمة، ويحوّل الأزمة من ركود مؤقت إلى فجوة تنموية ممتدة يصعب سدها حتى في حال توفر التمويل الدولي".

اخبار ذات صلة