خاص _ شهاب
منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، لم يعد الانتظار مجرد وقتٍ يمر، هو اختبار يومي للبقاء على قيد الحياة، كغيره من المواطنين نزح الشاب لؤي صبيح وحيدًا إلى جنوب القطاع بحثًا عن الأمن والأمان، هذا الأمر لم يتوقف عليه إنما صار على معظم السكان، لم تخرج عائلة لؤي زوجته وأولاده الأربعة ووالده ووالدته بسبب الخوف الكبير الذي كان يسيطر عليهم في تلك الأيام، بعد عامٍ وثلاثة أشهر من الانفصال القسري واشتداد المجازر في شمال القطاع قررت عائلته النزوح للجنوب، عند أقرب النقاط من حاجز "نيتساريم" وقف لؤي ينتظر عائلته القادمة من الشمال، لكن.. "دقائق قليلة كانت تفصله عنهم.. قبل أن تقطعها قذيفة".
لؤي كان طفلًا عندما فقد بصره في قصف عام 2009، كبر وتزوج وأصبح أبًا لأربعة أطفال، الحرب الأخيرة فرّقته عن عائلته وعاش نازحًا وحيدًا سبعة أشهر، فتحت طريق النزوح فقررت العائلة اللحاق به، اتفقوا على نقطة لقاء، اتصال واحد من والده طمئنه بقرب العناق، لكن هذا الأمر لم يحدث، قذيفة تسبق العائلة بلحظات، يصاب لؤي وتبدأ حكاية جديدة.
يقول لؤي صبح خلال حديثه لـ"شهاب": "وقفت قرب شارع صلاح الدين في المكان اللي اتفقنا عليه، أنا ما بشوف، لكني بعرف المكان من الأصوات وخطوات الناس، كنت ماسك الهاتف بإيدي كأنه آخر خيط بيني وبينهم، لما اتصل والدي قال: دقائق إن شاء الله وحنحضن بعض.. حسيت وقتها إن الحرب خلصت بالنسبة إلي".
لم تكن هذه أول مواجهة للؤي مع القصف، عام 2009 كان طفلًا في الثامنة حين حاولت عائلته العودة لمنزلها خلال هدنة قصيرة، فسقطت قذيفة قربهم، استيقظ بعدها بلا بصر وبدأ حياة مليئة بالعزيمة والإصرار يتخطى كل المصاعب.
يتابع لؤي حديثه "صحيت وبطلت أشوف شيء، الأطباء أفرغوا عيوني وحطوا عدسات تجميلية، من يومها صرت أعرف الدنيا بالصوت واللمس، حتى وجوه الناس بحفظها بإيدي.. أولادي كنت أعرفهم لما ألمس وجوههم".
كبر لؤي وتزوج وأصبح أبًا، محاولًا بناء حياة عادية داخل قطاعٍ غير عادي، لكن حرب الإبادة الأخيرة مزقت تلك الحياة، يقول: "مع بداية القصف اضطرّيت أنزح جنوب لوحدي، الطريق كان أخطر من أن تتحمله زوجتي وأطفالي، فبقوا بالشمال، تنقلت بين مدرسة في رفح وبعدها دير البلح، سبع شهور كاملة عشتهم وحدي".
الوحدة أقسى من العمى
وفي حديثه عن المعاناة الكبيرة التي كان يعاني منها يقول لؤي: "كنت أعتمد على الناس في الماء والأكل وحتى الوصول للحمام، لكن أصعب شيء كان الصمت.. مش العتمة، أنا تعودت على العتمة، بس ما تعودت على غياب أصواتهم، كنت أخاف أنسى صوت أولادي".
وسط القصف المتواصل، قررت عائلته اللحاق به بعد فتح طريق النزوح مؤقتًا، يصف لؤي حالته قائلًا: "من يومها وأنا أعد الدقائق، خرجت بدري واستنيت، مرت ساعة وساعتين وانقطع الاتصال، بلشت أفكر: يمكن الجنود أوقفوهم، يمكن القصف وصلهم، كل صوت سيارة كنت أظنه صوتهم".
بعد ثلاث ساعات رن الهاتف فجأة "أبي قال إنهم قريبين جدًا، ابتسمت، يمكن أول ابتسامة حقيقية من بداية الحرب، كنت واقف وجاهز ألمس وجوه أولادي".
لكن مكالمة لؤي لم تكتمل، يقول:"فجأة صار انفجار قوي جدًا، الأرض اهتزت ووقعت، حسيت الدم بطلع من فمي وأنفي وما قدرت أحكي، مسكت واحد جنبي وقلت له: إذا مت قول لأهلي إني كنت مستنيهم وما يزعلوش".
في تلك اللحظة ظن لؤي أن الحرب ستنهي حياته قبل أن تعيد له عائلته يتابع حديثه وهو يروي لنا "كنت طالب من الدنيا بس عناق واحد"، ثم ينجو لؤي مرة أخرى من الموت، كما نجا طفلًا قبل خمسة عشر عامًا، لكن اللقاء تأجل مرة أخرى.
يقول لؤي بصوت يسكنه الحزن "آخر جملة من أبي ضلت براسي: دقائق وحنحضن بعض، كانت أقصر مسافة بحياتي وصارت أطولها"، أصيب لؤي ونقل للعلاج في المستشفى وتأجل اللقاء ولم يحضن أحبابه بفعل قذيفة "إسرائيلية" غادرة.
في غزة، حرب الإبادة لا تقتل البشر فقط؛ تقتل المواعيد، والطرق، واللقاءات المؤجلة، أحيانًا يقف الإنسان على بعد خطوات من أحبته، ثم يأتي القصف ليحوّل العناق إلى حلمٍ مؤجل، وحياةٍ كاملة إلى انتظارٍ بلا نهاية.