يواجه مهرجان برلين السينمائي هذا العام انتقادات حادة على خلفية التزام نهج يتعمّد عدم فتح الباب أمام النقاش السياسي، وذلك عقب رسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 80 سينمائيا بارزا أدانوا فيها صمته حيال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.
لم تَسِر أمور مهرجان برلين السينمائي لهذا العام بسلاسة، إذ وجد المهرجان نفسه في قلب "عاصفة إعلامية" بسبب ما اعتُبر تهميشا للنقاش السياسي خلال الحدث.
المهرجان، المعروف بأنه الأكثر انخراطا في الشأن السياسي بين "المهرجانات الأوروبية الثلاثة الكبرى" (برلين، كان، فينيسيا)، انطلق الأسبوع الماضي وسط جدل واسع، بعدما وجّه صحفيون أسئلة إلى لجنة التحكيم في المسابقة الرسمية، برئاسة المخرج الألماني البارز فيم فيندرز، عن واقع العالم الراهن، بما في ذلك حرب الغبادة الإسرائيلية على غزة.
وعند سؤاله عمّا إذا كانت الأفلام قادرة على إحداث تغيير في المجال السياسي، قال فيندرز إن "الأفلام يمكن أن تغيّر العالم"، لكنها "لا تفعل ذلك بطريقة سياسية".
وعندما طُرح سؤال عن الحرب على غزة وكيفية استمرار الحكومة الألمانية (التي تموّل جزءا من المهرجان) في إظهار دعمها للكيان الإسرائيلي، رفضت عضو لجنة التحكيم إيفا بوشجينسكا الطرح الذي تضمّنه السؤال.
واستطرد فيندرز: "علينا أن نبقى خارج السياسة، لأنه إذا صنعنا أفلاما مكرّسة للسياسة، فإننا ندخل مجال السياسة. لكننا ثقل موازن للسياسة، نحن نقيض السياسة. يتعين علينا أن نقوم بعمل يخص الناس، لا بعمل يخص السياسيين".
في تلك اللحظة تحديدا، تعرّض البث المباشر للمؤتمر الصحفي لمشكلات تقنية، وبدأت الشائعات تنتشر بأن قطع البث كان متعمدا.
وردّ مهرجان برلين في بيان جاء فيه: "واجهنا مشكلات تقنية في البث عبر الإنترنت للمؤتمر الصحفي مع لجنة التحكيم الدولية هذا الصباح. ونود أن نتقدّم باعتذارنا الصادق".
توالت ردود الفعل الغاضبة سريعا، إذ رأى كثيرون أن المهرجان خسر وجهه النقدي وابتعد عن القضايا الراهنة، وهو ما عُدّ مستفزا بشكل خاص في حالة (مهرجان برلين السينمائي الدولي)، الذي لم يتردد يوما في اتخاذ مواقف واضحة، لا سيما حيال الغزو الروسي لأوكرانيا، حتى إنه صمّم دبّه الصغير الشهير، شعار المهرجان، على هيئة شارة بألوان العلم الأوكراني.
ومن الأمثلة الحديثة أيضا ما جرى في عام 2024، عندما مُنحت جائزة الأفلام الوثائقية لفيلم "No Other Land"، الذي يعرض وقائع مصادرة أراضي مجتمعات فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة من قبل الاحتلال.
وأثار التكريم جدلا واسعا، غير أن المهرجان تمسّك بالفيلم وبالمدافعين عنه، رغم انتقادات وجّهها مسؤولون في الحكومة الألمانية لما اعتبروه تصريحات "أحادية الجانب" بشأن غزة أدلى بها مخرجو العمل خلال حفل توزيع الجوائز.
كما تعرّض ضيفا المهرجان 2026 ميشيل يوه ونيل باتريك هاريس لانتقادات عبر الإنترنت بعد امتناعهما عن الإجابة عن أسئلة تتعلق بمداهمات "ICE" في الولايات المتحدة وتصاعد الفاشية، ولا سيما هاريس الذي قال إنه يفضّل الانخراط في أعمال "لا تحمل طابعا سياسيا".
"صوت هند رجب"
من جانبها رفضت المخرجة التونسية كوثر بن هنية، تسلم جائزة عن فيلمها الوثائقي "صوت هند رجب" خلال حفل "سينما من أجل السلام" في مهرجان برلين السينمائي، احتجاجا على تكريم ضابط إسرائيلي سابق.
وخلال كلمة ألقتها أمام الحضور، قالت بن هنية إنها لن تستلم الجائزة وستتركها في مكان الحفل "كتذكير"، وقالت إنها ستعود لقبولها عندما "يصبح السعي إلى السلام التزاما قانونيا وأخلاقيا متجذرا في المساءلة".
وأكدت أنها تشعر بالمسؤولية أكثر من الامتنان، مشددة على أن الحديث عن السلام لا يمكن فصله عن العدالة والمساءلة.
وشددت على أن "صوت هند رجب لا يتعلق بطفلة واحدة فقط، بل بالنظام الذي جعل قتلها ممكنًا."
ويتناول فيلم "صوت هند رجب" قصة حقيقية للطفلة الفلسطينية الشهيدة هند رجب (6 أعوام) التي قتلها جيش الاحتلال عندما كانت داخل سيارة مع أقاربها في قطاع غزة في أواخر يناير/كانون الثاني 2024.
وظلت الطفلة عالقة في السيارة بين جثامين أقاربها الذين استشهدوا على الفور بعد استهداف السيارة.
وتواصلت الطفلة الهند، هاتفيا مع الإسعاف لإنقاذها، إلا أن قوات الاحتلال استهدفت الطاقم الإغاثي الذي جاء لإنقاذها، وبعد 12 يوما من الحادثة عُثر على الطفلة هند وقد فارقت الحياة.
وفيلم "صوت هند رجب" من إنتاج مشترك تونسي - فرنسي، وأخرجته بن هنية.
وخلال الحفل، قالت بن هنية تعليقا على الحادثة: "ما حدث لهند ليس استثناء، إنه جزء من إبادة جماعية".
وأضافت: "وهذه الليلة، في برلين هناك أشخاص قدّموا غطاء سياسيا لتلك الإبادة، من خلال إعادة تأطير القتل الجماعي بوصفه دفاعًا عن النفس، وبوصفه ظروفًا معقّدة، ومن خلال الحط من شأن الذين يحتجّون".
وتابعت بن هنية: "لكن كما تعلمون، السلام ليس عطرا يُرشّ فوق العنف كي تشعر السلطة بالرقي، وكي تشعر بالراحة، والسينما ليست تبييضًا بالصور".
وأكدت أن جيش الاحتلال قتل هند رجب وعائلتها والمسعفين اللذين جاءا لإنقاذها، "وذلك بتواطؤ من أقوى حكومات العالم ومؤسساته".
وفاز فيلم "صوت هند رجب"، في أغسطس/آب الماضي، بجائزة "الأسد الفضي" في مهرجان البندقية السينمائي الدولي في دورته الـ82.
كما جاء أحد أبرز الردود على كهرجان برلين من الكاتبة الهندية المعروفة أرونداتي روي، التي كان من المقرر أن تقدّم فيلمها الكوميدي الصادر عام 1989 "In Which Annie Give It Those Ones" ضمن قسم "الروائع" في المهرجان.
وأعلنت روي انسحابها، مشيرة إلى "تصريحات لا يمكن تبريرها" صدرت عن لجنة التحكيم، معتبرة أن "سماع قولهم إن الفن لا ينبغي أن يكون سياسيا أمر يصيب بالذهول".
وقالت في بيان: "على الرغم من أنني شعرت طويلا بقلق عميق إزاء المواقف التي اتخذتها الحكومة الألمانية وعدد من المؤسسات الثقافية الألمانية بشأن فلسطين، فإنني كنت أتلقى دائما تضامنا سياسيا عندما كنت أتحدث أمام جمهور ألماني عن رؤيتي حيال الإبادة الجماعية في غزة. هذا ما جعل من الممكن أن أفكر في حضور عرض فيلم "Annie" في المهرجان".
وأضافت، في إشارة إلى لجنة التحكيم: "إن سماعهم يقولون إن الفن لا ينبغي أن يكون سياسيا أمر يصيب بالذهول. إنها طريقة لإسكات النقاش حول جريمة ضد الإنسانية تتكشف أمامنا في الزمن الفعلي، في وقت يُفترض فيه أن يبذل الفنانون والكتّاب وصنّاع الأفلام كل ما في وسعهم لوقفها.
وتابعت "دعوني أقول هذا بوضوح: ما حدث في غزة، وما يستمر في الحدوث، هو إبادة جماعية للشعب الفلسطيني على يد (إسرائيل). وهي تحظى بدعم وتمويل حكومتي الولايات المتحدة وألمانيا، إلى جانب دول أوروبية أخرى عدة، ما يجعلها متواطئة في الجريمة".
وختمت بيانها بالقول: "إذا كان أعظم صانعي الأفلام والفنانين في زمننا عاجزين عن الوقوف وقول ذلك، فعليهم أن يدركوا أن التاريخ سيحكم عليهم. أشعر بصدمة واشمئزاز".
ومع تصاعد الغضب، أصدر المهرجان بيانا مطولا لرئيسته تريشا تتل، جاء فيه: "دعا كثيرون إلى حرية التعبير فيالمهرجان. حرية التعبير موجودة. لكن يُطلب من صنّاع الأفلام بشكل متزايد الإجابة عن أي سؤال يُطرح عليهم".
تصعيد بمشاركة نجوم الصف الأول
لم ينجح بيان المهرجان في امتصاص الغضب، إذ وجّه أكثر من 80 شخصية من العاملين في صناعة السينما انتقادات حادة إلى مهرجان برلين في رسالة نُشرت الثلاثاء، أعربوا فيها عن استياءهم من صمت المهرجان المؤسسي حيال الإبادة في غزة.
ومن بين الموقّعين على الرسالة الفائز بجائزة الأوسكار خافيير بارديم، والممثل براين كوكس، والمخرج البريطاني مايك لي، والمخرج البلجيكي لوكاس دونت، والمخرج الأمريكي آدم ماكاي، والمصوّرة الشهيرة نان غولدِين، والممثلة تيلدا سوينتون، إحدى أبرز الداعمين للمهرجان، والتي نالت العام الماضي "الدب الذهبي الفخري" المرموق.
وأكدت الرسالة أنهم "يختلفون تماما" مع تصريحات فيندرز، معتبرين أنه لا يمكن الفصل بين صناعة الأفلام والسياسة، كما انتقدوا موقف مهرجان برلين من غزة، إضافة إلى ما وصفوه بـ"الدور المحوري للدولة الألمانية في تسهيل ما تقوم به إسرائيل".
وجاء في نص آخر: "نكتب بوصفنا عاملين في مجال السينما، جميعنا من المشاركين السابقين أو الحاليين في مهرجان برلين، الذين يتوقعون من مؤسسات صناعتنا أن ترفض التواطؤ في أعمال العنف المروّعة المستمرة ضد الفلسطينيين. نشعر بقلق بالغ إزاء تورط المهرجان في قمع فنانين يعارضون الإبادة الجماعية المستمرة التي تنفذها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة، وإزاء الدور المحوري للدولة الألمانية في تسهيلها. كما ذكر "معهد الفيلم الفلسطيني"، فإن المهرجان "يراقب صنّاع الأفلام إلى جانب التزامه المستمر بالتعاون مع الشرطة الاتحادية في تحقيقاتها".
وتتابع الرسالة: "نختلف بشدّة مع تصريح رئيس لجنة تحكيم المهرجان فيم فيندرز بأن صناعة الأفلام هي "نقيض السياسة". لا يمكن الفصل بين الأمرين. نحن قلقون للغاية من أن المهرجان، المموّل من الدولة الألمانية، يساهم في تطبيق ما أدانته مؤخرا إيرين خان، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحرية التعبير والرأي، بوصفه سوء استخدام ألمانيا لتشريعات قمعية "من أجل تقييد الدعوة إلى حقوق الفلسطينيين، وكبح المشاركة العامة، وتقليص نطاق النقاش في الجامعات والفنون". وهذا نفسه ما وصفه آي ويوي مؤخرا بأن ألمانيا "تفعل ما فعلته في ثلاثينيات القرن الماضي" (موافقا محاوره الذي قال له "إنها الدوافع الفاشية نفسها، لكن الهدف مختلف").
وتشير الرسالة إلى أن مهرجان برلين السينمائي أصدر في الماضي "بيانات واضحة" بشأن "الفظائع" المرتكبة ضد شعوب في وأوكرانيا، وتلفت إلى أن مهرجانات سينمائية دولية كثيرة، مثل "مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية" و"مهرجان فيلم فست غنت" البلجيكي، قد "أيّدت المقاطعة الثقافية للكيان الإسرائيلي بوصفه دولة فصل عنصري".
وأضاف الموقّعون: "أكثر من 5.000 عامل وعاملة في مجال السينما، بينهم أسماء بارزة في هوليوود والعالم، أعلنوا أيضا رفضهم العمل مع شركات ومؤسسات سينمائية إسرائيلية متواطئة".
وتختتم الرسالة بالقول: "ندعو برليناله إلى القيام بواجبه الأخلاقي وإعلان معارضته بوضوح لإبادة إسرائيل الجماعية وجرائمها ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ترتكبها بحق الفلسطينيين، وأن يضع حدا كاملا لانخراطه في حماية إسرائيل من الانتقاد ومن الدعوات إلى المحاسبة".