يعتمد أهل غزة، بمختلف طبقاتهم وفئاتهم، على المساعدات الغذائية التي تقدمها المؤسسات الاغاثية والقوافل الإنسانية منذ بدء الإبادة، بهدف تخفيف المعاناة، إلا أن الطرود الغذائية المحددة والمتكررة، والتي تركز عادة على البقوليات والمعكرونة والمعلبات، و تغيب عنها أصناف أخرى ضرورية للتغذية المتوازنة،لا تتيح لأهل غزة حرية الاختيار، وتزيد من الهدر المالي للمساعدات، وتجعل السكان محكومين بالمواد الغذائية المقدمة لهم، دون مراعاة حاجاتهم للتنوع الغذائي الحقيقي بعد المجاعة.
يقيد حرية العائلة
يتمنى حسام أبو عودة، 41 عامًا، أن تتوقف المؤسسات الإغاثية عن توزيع الطرود الجاهزة، التي تحتوي على نفس المواد الغذائية التي ملّت النفس البشرية تناولها بسبب حضورها على موائد الأسر الغزية لعامين متواصلين من الإبادة.
ويضيف: "خيمتي مليئة بالعدس والفول والحمص والبقوليات الأخرى والتى يرفض صغاري تناولها،وبالمقابل منذ شهور طويلة لا أستطيع شراء طعام صحي لأطفالي، مثل الدجاج واللحوم و الفواكه والخضار الطازجة، لقد فقدت كل ما أملك خلال فترة الإبادة، وأصبحت أعتمد في إعالة أطفالي بالكامل من المساعدات والتكيات".
ويشير حسام إلى أن البقوليات أصبحت منخفضة السعر جدًا في الأسواق، نظرًا لأنها توزع مع كل طرد غذائي، ما يجعلها غير ذات قيمة غذائية ولا مادية، ويؤكد على أن هذا التحديد فى اصناف المساعدات يحرم الأطفال والعوائل من التنوع الغذائي ويقيد حرية العائلة في اختيار الطعام المناسب لهم، علاوة على أنه إهدار لأموال المساعدات.
ويدعو أبو عودة المؤسسات والجهات الغذائية إلى أن تتجه إلى مساعدات أخرى تمكن الأسرة من إعالة نفسها، والاتجاه نحو طرود غذائية متنوعة وصحية، تلبي احتياجات الأطفال وتشبه ما يشاهدونه بالاسواق من اطعمة وتراعي الصحة العامة للإنسان، بعيدًا عن التكرار الذي أصبح عبئًا علينا جميعًا.
بينما تقول رؤوفة شويخ، 38 عامًا، من مواصى رفح، وهي أم لستة أطفال، إن طبيعة المساعدات الغذائية التي تصل إلى منزلها مكررة ومحدودة ولا تعكس الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية اليومية للأسرة.
وتضيف لـ"شهاب": "أغلب الطرود الإغاثية تحتوي على الطحين والبقوليات فقط، فيما تغيب تقريبًا باقي الأصناف الأساسية، مثل الخضروات الطازجة والفواكه واللحوم، التي لا تُوزَّع ضمن المساعدات بل تُباع في الأسواق بأسعار مرتفعة لا نستطيع شراءها".
وأشارت رؤوفة إلى أن لديها فى الخيمة سبعة أكياس من الدقيق وعشرات الكيلوات من العدس والفول لا تستخدمها حاليًا لأنها تعتمد على شراء الخبز المدعوم من المخابز، لكنها منذ أشهر طويلة لم تستطع توفير طعام صحي ومتوازن لأطفالها، يتماشى مع ما يطلبه أطفالها من أطعمة ، وعند بيع المساعدات المتكدسة لديها فانها تباع بأبخس الاسعار.
وترى رؤوفة أن التبرعات النقدية أو القسائم الشرائية أفضل بكثير من المساعدات العينية، لأنها تمنح الأسرة حرية اختيار ما تحتاجه فعلاً، سواء كان غذاءً متنوعًا أو حليب أطفال أو مواد تنظيف، بدل الاكتفاء بمواد قد تتكدس معنا داخل الخيمة دون فائدة حقيقية.
نمط حياة مفروض
من جانبه، قال المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر إن غزة، بعد أكثر من عامين على الحرب والحصار، تقف أمام اقتصاد شبه مشلول بالكامل، حيث يعتمد أكثر من 95% من السكان على المساعدات الإنسانية كمصدر وحيد للبقاء، في ظل بطالة تجاوزت 80% وانعدام شبه تام للدخل النقدي.
وأشار أبو قمر في حديث خاص لـ"شهاب" إلى أن هذا التحول من اقتصاد إنتاجي هش إلى اقتصاد قائم على الإغاثة يعكس انهيارًا بنيويًا عميقًا، لم تعد معه المساعدات مجرد تدخل طارئ، بل أصبحت نمط حياة مفروضًا.
وأوضح أن قرابة 30 ألف شاحنة مساعدات وبضائع ووقود دخلت غزة من أصل 69 ألف شاحنة كان يفترض إدخالها (بنسبة التزام 43% فقط)، بينما لا يتجاوز المتوسط اليومي 257 شاحنة، وهو أقل بكثير من الحاجة الفعلية المقدرة بـ600 شاحنة يوميًا، بينها 50 شاحنة وقود فقط. أما الوقود الداخل فلا يتجاوز 14% من الاحتياج، ما يفسر استمرار تعطل الخدمات الأساسية وتعثر سلاسل التوريد.
وتكمن الإشكالية بحسب أبو قمر في منهجية توزيع المساعدات، حيث تتركز السلة الغذائية الموحدة على الطحين والبقوليات فقط، ولا تعالج فجوة الدخل ولا تنعش السوق، كما أنها لا توفر تنوعًا غذائيًا مناسبًا، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الخضراوات واللحوم والسلع الأساسية، التي أصبحت متاحة فقط لمن يمتلك سيولة نقدية، وهي فئة محدودة جدًا.
وأشار أبو قمر إلى أن المقترحات القائمة على التحول نحو مساعدات نقدية أو قسائم إلكترونية عبر نقاط بيع محددة تمثل مقاربة أكثر كفاءة، إذ تضخ سيولة في السوق المحلي، وتمنح الأسر حرية اختيار ما تحتاجه، وتدعم التجار، بشرط ضبط الأسعار ومنع الاحتكار وضمان استقرار سلاسل التوريد.
عبء إضافي
وشدد على ضرورة تصميم برنامج إغاثي أفضل يراعي عدالة التوزيع وتنوع السلع الأساسية، من خلال إلزام نقاط البيع بتوفير قائمة إجبارية تشمل البروتينات والكربوهيدرات ومواد التنظيف، لضمان عدم هدر الرصيد في سلع كمالية. كما حذر من الاحتكار والتلاعب بالأسعار، مؤكدًا على ضرورة التأكد من قدرة التجار المعتمدين على توفير البضائع باستمرار، حتى لا تتحول الأداة الإغاثية الجديدة إلى عبء إضافي بدل أن تكون حلًا.
وأضاف أبو قمر أن طريقة التوزيع التي تعتمد على أسماء المستفيدين يجب أن تكون مرتبطة بقاعدة بيانات ثابتة واسعة، كالتى تمتلكها الأونروا ووزارة التنمية الاجتماعية باعتبارهم الجهات المركزية لامتلاك قواعد بيانات متكاملة، إلا أن إسرائيل عملت على تحييدهما، ما ساهم في تفاقم أزمة المجاعة، مؤكّدًا أن لا بديل عن الأونروا او التنمية كمؤسسات إغاثية ذات خبرة طويلة في توزيع المساعدات وتنويعها، وأن التغيب المتعمد سبب في عدم عدالة التوزيع الحالية.
من جانبها، دعت وزارة التنمية الاجتماعية إلى توحيد الجهود وتنظيم العمل الإغاثي خلال شهر رمضان المبارك، مؤكدة ضرورة الالتزام بقاعدة بيانات موحدة لضمان العدالة في توزيع المساعدات، في ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يعيشها المواطنون في قطاع غزة.
وأكدت الوزارة أنها تتابع حالة الاستياء لدى المواطنين جراء شعورهم بفقدان العدالة في التوزيع، خاصة خلال شهر رمضان، مشددة على ضرورة التزام جميع المؤسسات بقاعدة البيانات الموحدة والعمل وفق دورة توزيع واحدة بما يضمن العدالة في الاستفادة وتنظيم العملية الإغاثية.
وشددت الوزارة على أهمية توزيع المساعدات على جميع الفئات سواء داخل مراكز الإيواء أو خارجها، نظرًا للظروف الصعبة التي يمر بها أبناء الشعب الفلسطيني، محذّرة من أن استمرار التركيز على المخيمات قد يترتب عليه حرمان أسر خارج مراكز الإيواء وازدواجية في الخدمات وتلف في المواد، بما يهدد مصداقية المؤسسات.