تقرير _ شهاب
في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات الأذان معلنة حلول شهر رمضان المبارك، وتُضاء البيوت بالفوانيس، وتلتف العائلات حول موائد الإفطار، يبدأ رمضان خلف قضبان سجون الاحتلال الإسرائيلي بصورة مختلفة تماماً، هناك، لا تُعرف بداية الشهر، ولا يُسمع الأذان، ولا تُعدّ موائد عامرة، ويُستقبل كما تُستقبل الأيام الثقيلة، بالصبر والانتظار والمعاناة.
داخل الزنازين الباردة الضيقة، يقيس الأسرى الفلسطينيون الوقت بشريط ضوء يتسلل من نافذة صغيرة إن وجدت، أغلبهم لا يعلم أن رمضان قد بدأ إلا صدفة، من خلال جلسة محكمة أو من همسة عابرة، وآخرون يحاولون تحسس موعد الفجر أو المغرب بلا ساعة ولا أذان، فيما يُفرض عليهم واقع قاسٍ من شحّ الطعام وغياب السحور وتأخر الإفطار.
عند الأسرى فيُختصر رمضان بلقيمات قليلة من طعام لا يكفي، وبمصحف يتناوبه الأسرى، وبصلاة تُقام همساً خشية العقاب والقمع، ليبقى الأسرى الفلسطينيون أكثر من يدفع ثمن العزلة، إذ يُحرمون من الحرية ومن طقوسهم الدينية وأبسط ملامح الحياة التي تمنح الشهر معناه الإنساني أيضًا.
وفي ظل شهادات أسرى محررين ومحامين ومؤسسات حقوقية، تتكشف صورة رمضان مختلف، شهر يبدأ أحياناً دون أن يعلموا، ويمضي ثقيلاً تحت وطأة القمع والتجويع، فيما تنتظرهم عائلاتهم على موائد إفطار.
شهادة من داخل "غوانتانامو إسرائيل"
الأسير المحرر أحمد ظاهر استعاد تفاصيل ما وصفه بـ"أحد أقسى شهور رمضان" التي قضاها داخل معتقل "سديه تيمان" الإسرائيلي، مشبهاً إياه بـ"غوانتانامو إسرائيل"، في إشارة إلى حجم القمع والتضييق الذي تعرض له الأسرى خلال الشهر الفضيل.
وقال ظاهر، في حديثه لوكالة "شهاب" للأبناء، إنهم علموا بقدوم شهر رمضان "بزلة لسان من أحد الجنود"، لتكون تلك الليلة "واحدة من أصعب الليالي على الأسرى".
وأضاف أنهم رغم الحزن والقهر بادروا إلى احتضان بعضهم البعض وأقاموا صلاة التراويح على شكل مجموعات صغيرة لا تزيد عن أربعة مصلين في كل مجموعة، تفادياً للعقوبات والقمع.
وأشار إلى أن مسؤول فرقة القمع في المعتقل وجّه لهم تهديدات مباشرة، قائلاً: "صحيح أنتم في رمضان، لكن لن تقضوه كما أردتم، وجاهزون لنقمعكم في كل وقت"، مؤكداً أن تلك التهديدات تُرجمت إلى إجراءات مشددة واقتحامات متكررة.
وبيّن ظاهر أن وتيرة القمع ارتفعت خلال الشهر، حيث تجاوز عدد عمليات الاقتحام ثلاث مرات أسبوعياً "وبحدة غير مسبوقة"، وفق وصفه، إلى جانب التضييق في تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك مواعيد الطعام.
وأوضح أن وجبة الإفطار كانت تتأخر أحياناً لأكثر من ساعة أو ساعتين بعد غروب الشمس، فيما كانت وجبة السحور تقدم في أوقات متباينة؛ أحياناً مبكراً جداً بما لا يسمح بأداء صلاة الفجر، وأحياناً قبل الشروق بوقت قصير دون معرفة دقيقة بالوقت.
ورغم ذلك، أكد الأسير المحرر أن الأجواء الإيمانية داخل المعتقل كانت حاضرة بقوة، مشيراً إلى أن "الأسرى كانوا يتنافسون ويتشاجرون على المصحف لقراءة القرآن الكريم"، وأن الأسرى كانوا يستشعرون "معية إلهية وعوناً ربانياً" خفف عنهم وطأة القمع.
مفاجأة داخل قاعة المحكمة
ومن جانبه، كشف المحامي والمختص بشؤون الأسرى الفلسطينيين خالد محاجنة أنه حضر، يوم الأربعاء، أول أيام شهر رمضان، جلسة محاكمة لأسير من الداخل الفلسطيني معتقل في سجن جلبوع أمام محكمة للاحتلال الإسرائيلي.
وقال محاجنة إنه بادر بتهنئة الأسير بحلول الشهر الفضيل، وسأله عن الصيام، فكانت المفاجأة حين رد عليه: "اليوم رمضان؟! ما حد قال لنا إنه بلش".
وأوضح أن هذه الواقعة تعكس حجم العزل الذي يعيشه الأسرى، مشيراً إلى أنهم حُرموا حتى من معرفة موعد بدء الشهر الكريم، في ظل القيود المفروضة عليهم داخل المعتقلات.
وأكد محاجنة، أن إدارة السجون لم تُبلغ الأسرى في سجن جلبوع ببدء رمضان، مضيفاً أن "الاحتلال يحاول طمس فرحة الأسرى الفلسطينيين خلال المناسبات الدينية، ويعمد إلى جعل فرحة عائلاتهم ناقصة وموجعة، نتيجة ما يشهدونه من تنكيل وتعذيب بحق أبنائهم خلف القضبان".
بلا سحور وإفطار من فتات
بحسب محاجنة، فإن الأسرى يدخلون رمضان "بلا سحور"، فيما يتحوّل الإفطار إلى "وجع طويل لا يشبه رمضان بأي شكل".
وأكد أنهم، منذ أكثر من عامين، يُجبرون على الإفطار على كميات ضئيلة من الطعام، واصفاً ما يُقدّم لهم بأنه "فتات لا يليق بإفطار صائم".
وأشار إلى أن موائد الإفطار داخل السجون تفتقر إلى الحد الأدنى من الاحتياجات؛ فلا عصائر ولا حلويات ولا أي مكونات ترتبط بأجواء الشهر الفضيل، بل يقتصر الإفطار في كثير من الأحيان على طعام شحيح وماء فقط.
كما نقلت مؤسسات تعنى بشؤون الأسرى إفادات لأسرى مفرج عنهم مؤخراً، أكدوا فيها أنهم يمضون فترات طويلة في حالة صيام شبه دائم بسبب قلة الطعام، ولا يتناولون سوى لقيمات معدودة يومياً، ما أدى إلى فقدانهم أوزاناً كبيرة ومعاناتهم من إنهاك جسدي واضح، إضافة إلى حرمانهم من معظم مقومات الحياة الأساسية.
وفي السياق ذاته، قالت هيئة شؤون الأسرى والمحررين إن إدارة سجن عوفر تحرم الأسرى الفلسطينيين من الصيام والإفطار في الوقت الصحيح مع حلول شهر رمضان.
وذكرت الهيئة، في بيان مساء السبت، أن إدارة السجن "تمتنع عن إبلاغ الأسرى بمواعيد أذانَي الفجر والمغرب، ما يحرمهم من الصيام والإفطار في الوقت الصحيح".
وسبق أن نقل أسرى محررون من سجن عوفر، غربي رام الله، رسالة من الأسرى داخله، يطالبون فيها أئمة المساجد في القرى القريبة برفع صوت الأذان حتى يتمكنوا من معرفة وقت الصلاة.
ويقبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 9300 أسير فلسطيني، بينهم 350 طفلاً، ويعانون – بحسب منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية – تعذيباً وتجويعاً وإهمالاً طبياً، أودى بحياة العشرات منهم.
وصعّد الاحتلال من إجراءاته بحق الأسرى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالتزامن مع الحرب على قطاع غزة، وسط تقارير متزايدة عن تشديد القيود وتقليص الامتيازات وارتفاع وتيرة العقوبات الجماعية داخل المعتقلات.