خاص _ شهاب
مع حلول أذان المغرب، تمتد موائد الإفطار في بيوت غزة وخيامها، لكن ثمة مقاعد بقيت فارغة هذا العام، في كل بيت شهيد، يتحول رمضان من موسم للفرح والتجمّع إلى اختبار صعب للذاكرة والصبر، حيث يجلس الغائب حاضرًا في التفاصيل، في الدعاء، وفي الصمت الثقيل الذي يسبق الإفطار.
توثّق وكالة شهاب في هذا التقرير معاناة ثلاث عائلات تروي كيف تغيّر رمضان في بيوتها بعد فقدان أحد أحبّتها في قطاع غزة.
أمٌّ تضع طبقه كما كان
في منزل متواضع شمال القطاع، تصرّ أم محمد المدهون على أن تضع طبقًا إضافيًا على المائدة، كما كانت تفعل حين كان ابنها الشهيد علي يجلس إلى جوارها، تقول لـ"شهاب" بصوت متماسك تخنقه العبرة: "مش قادرة أشيل مكانه، بحس إنه لو شلت الطبق كأني بسلم إنه مش راجع".
تستعيد أم محمد تفاصيل صغيرة؛ كيف كان يطلب نوعًا معينًا من الطعام، وكيف كان يتعجل الأذان، ثم يمازح إخوته بعد الإفطار، "أكثر لحظة بتوجعني لما نبدأ نفطر، كنت دايمًا أمد له التمرة بإيدي".
تحاول الأم أن تبدو قوية أمام أبنائها الآخرين، لكن غياب نجلها علي يخيّم على الأجواء، "رمضان كان يجمعنا حوله، اليوم نجتمع على ذكراه، بنقرأ له قرآن قبل الإفطار، وبندعي له بكل ركعة".
بالنسبة لأم محمد، لم يعد رمضان كما كان؛ صار شهرًا تختلط فيه الرحمة بالفقد، والدعاء بالشوق الذي لا يهدأ.
أبٌ يخفي دمعته أمام أطفاله
في خيمة جنوب القطاع، يجلس أبو ياسين أبو معمر مع أطفاله قبيل المغرب، فقد ابنه البكر قبل أشهر، ويقول إن أصعب ما يواجهه هو الحفاظ على تماسكه أمام العائلة، يقول لـ "شهاب": "أنا الأب، لازم أكون قوي، بس في داخلي وجع ما بينوصف".
كان ابنه "ياسين" هو من يخرج لشراء القطايف، ويحرص على أن يجلب لأمه ما تحب، "هذا أول رمضان ما بيطلع فيه يجيب حاجات الإفطار، لما بشوف إخوته الصغار بسألوا عنه، قلبي بينكسر".
يحاول الأب أن يصنع أجواء بسيطة داخل الخيمة؛ يعلّق زينة رمضانية بسيطة، ويجمع أبناءه لصلاة التراويح، "بقولهم أخوكم مكانه الجنة، ولازم نفرحله"، لكن الحقيقة عكس ذلك حسب وصفه فالمائدة ناقصة من دون نجله الأكبر.
يرى أبو ياسين أن الفقد في رمضان مضاعف، لأن الشهر قائم على الاجتماع، "رمضان يعني لَمّة ولما واحد من اللمّة يغيب، الفراغ بيصير واضح بكل تفصيلة".
إخوة يتبادلون الذكريات
في حيّ دُمّر جزء كبير منه، تجتمع عائلة الشهيد سامر عبد ربه حول مائدة إفطار بسيطة إخوته يتحدثون عنه وكأنه ما زال بينهم، يقول شقيقه الأصغر لـ"شهاب": "كان هو روح البيت، دايمًا يضحكنا وقت الإفطار".
تتجنب العائلة الحديث بصيغة الغياب، مفضّلة استحضار مواقفه ومزاحه، "بنحكي قصصه قبل الأذان، يمكن عشان نحس إنه قاعد معنا".
والدته تجلس صامتة في أغلب الوقت، تكتفي بالاستماع، تشير إلى أن أكثر ما يؤلمها هو لحظة الدعاء، "لما أرفع إيدي وأدعي، بتيجي صورته قدامي، بدعي له بالرحمة، وبدعي لنا بالصبر".
تقول العائلة إنهم يحاولون تحويل الحزن إلى دافع للتماسك، "إحنا مش بس بنفتقده، إحنا بنحمل اسمه وسيرته، رمضان هذا العام صار شهر دعاء له أكثر من أي شيء".
رمضان بطعم الغياب
في بيوت عائلات الشهداء، لا تغيب مظاهر الشهر تمامًا؛ ما زالت التمور توضع في الأطباق، وما زال القرآن يُتلى قبيل الإفطار، وما زالت القطايف تحضر ولو بكميات قليلة، لكن الشعور مختلف، إذ يحضر الغياب كضيف دائم على المائدة.
تؤكد العائلات الثلاث أن أصعب ما في الأمر ليس فقط فقدان الأحبة، إنما استمرار الحياة من دونهم، "نتعلم كيف نعيش بقلوب منقوصة"، تقول أم محمد، فيما يضيف أبو ياسين: "بنحاول نخلي ذكراهم قوة إلنا، مش ضعف".
هكذا يقضي كثير من أهالي غزة رمضانهم هذا العام؛ بين دعاء لا ينقطع، وذكريات لا تغيب، ومقاعد فارغة تحكي حكاية الفقد بصمت، رمضان في بيوت الشهداء ليس كما كان، لكنه يبقى شهر الصبر والاحتساب، حيث يمتزج الألم بالأمل، وتُرفع الأكف بالدعاء لمن غابوا جسدًا وبقوا في القلب حاضرِين.