تقرير / شهاب
يخوض المصابون بالألم العضلي الليفي "لفيبروميالجيا" صراع صامت لا يشعر به كثيرون، ألمٌ يلازم الجسد، وإرهاقٌ يجعل أبسط المهام عبئًا، وأرقٌ يسرق ما تبقّى من طاقة الجسم والروح معًا، في الظروف العادية يحاول المرضى التعايش مع دوامة المرض، لكن حين تأتي الحرب بكل ما تحمله من خوفٍ وقلقٍ ونقصٍ في الغذاء واضطرابٍ في النوم، تتضاعف المعاناة.
ويصبح المرض ثقلًا إضافيًا على حياة مثقلة بكل تفاصيلها مسبقًا، حيث تتداخل الحالة النفسية مع الألم الجسدي وكارثية الواقع، ويجد كثيرون أنفسهم عالقين في دائرة وجع لا تنتهي، وعجزٍ عن عيش تفاصيل يومهم بشكل طبيعي دون علاج أو أفق.
حياة مثقلة
تقول سعاد طبش (41 عامًا): "قبل الحرب كنت أستطيع إدارة مرضي والتعايش مع 'الفيبروميالجيا' بعدة طرق وبروتينٍ يساعدني على التعايش، ويؤمن قدرًا من الراحة، اعتمادًا على جلسات علاج معرفي سلوكي، بعض السباحة، ومساج يخفف وطأة الألم. لم يكن روتيني سهلاً، لكنه كان 'ممكّنًا' ومساعدًا في تسهيل حياتي."
وتضيف: "مع اندلاع الحرب وحتى بعد انتهاءها، انقلب هذا التوازن. النزوح المتكرر فرض عليّ النوم والجلوس على الأرض لساعات طويلة، والغسيل اليدوي أرهق عضلاتي الحساسة والمتعبة أصلًا، وصنع الطعام والخبز، وجلي الأواني بطرق بدائية، كلها ضغوط نفسية وجسدية ضاعفت من وقع الخوف والمرض. ظهرت عوامل كثيرة زادت معاناة الألم العضلي والقلق الذي لا يتوقف."
وتتابع: "لم يعد الألم والمرض مجرد عرضٍ يمكن احتماله، بل صار رفيقًا دائمًا يتغذّى على التوتر والقلق والأوضاع الكارثية التي نعيشها. التفاصيل البسيطة العادية تصبح لدى مرضى 'الفيبروميالجيا' شيئًا مؤلمًا لا يمكن تجاوزه."
وتنوه: مع انقطاع الدواء وصعوبة الوصول إلى العلاج الذي اعتادت عليه، فقدت كثيرًا من أدوات السيطرة على المرض، ألمٌ جسدي يتصاعد كل دقيقة، وحالة نفسية مثقلة ومتعبة. ومهما بذلت جهودًا أو محاولات يومية للتكيّف مع الواقع والتعايش مع المرض، تذهب كلها سدى أمام هجمات المرض القوية.
لم يكن أبو جميل يعرف شيئًا عن الفيبروميالجيا قبل الحرب، رغم معاناته الشديدة مع أوجاع لا يعرف لها مسمى أو تشخيص، لكن الكوارث المحيطة التي ألمّت به بعد الحرب نقلت المرض إلى مرحلة كبيرة في حياته، جعل تشخيص الأطباء واضحًا ودقيقًا.
ويتابع: فقدان البيت الذي بنيته على مدار سنوات طويلة، خسارة الأصدقاء والأهل والجيران والزملاء بفعل القصف، ضاعفت من حجم الصدمة والخسارة، وهذا دفع بالمرض لأن يتغوّل في جسدي بطريقة مضاعفة.
يقول: "كل هذه المآسي تراكمت داخلي كأوجاع بسرعة فائقة، وتحولت مرحلة المرض عندي إلى مرحلة العجز، خاصة مع انقطاع أي علاج والبرامج السلوكية العلاجية التي يمكنها أن تخفف من حدة الألم أو تقلل من أعراض المرض وتداعياته."
ويتابع: النزوح والعيش في خيمة، والوقوف ساعات طويلة لتأمين احتياجات العائلة اليومية من ماء وغذاء وخبز في ظل أزمة مالية صعبة جراء فقدان العمل والمدخرات، ضاعف من تدهور حالتي حتى بات غير قادر على أدائها، ما اضطر زوجتي أغلب الأيام للقيام بها بدلًا منه.
ويضيف: "أكبر معاناة يمكن أن تمر على الإنسان أن يشعر بالعجز أمام زوجته وأطفاله، وأن لا يستطيع القيام بواجبه تجاههم بسبب المرض." منوهًا أن المعاناة لم تعد مجرد ألم جسدي، بل شعور مستمر بالعجز والإحباط النفسي، إذ يقف المرض كحاجز بينه وبين واجباته الأسرية، ويزيد من شعوره بالعجز والخوف على عائلته، بينما لا يتوفر له أي علاج أو رعاية تساعده على تخفيف وطأة 'الفيبروميالجيا' في ظل الحرب.
محفزات بسيطة
من جانبه، يوضح الدكتور رياض عيد، أخصائي الباطنة والروماتيزم، أن "الفيبروميالجيا" أو ما يُعرف بالألم العضلي الليفي، هو اضطراب مزمن يتمثل في آلام منتشرة في أنحاء الجسم، يرافقها إرهاق شديد واضطرابات في النوم والتركيز، مشيرًا إلى أن المرض لا يرتبط بالتهاب في المفاصل بقدر ما يتعلق بخلل في طريقة تعامل الجهاز العصبي مع إشارات الألم.
ويقول: "إن المريض يشعر بألم حقيقي، وليس ألمًا نفسيًا متخيّلًا كما يعتقد البعض، لكن المشكلة أن الجهاز العصبي يصبح أكثر حساسية، فيضخم الإحساس بالألم حتى مع محفزات بسيطة."
ويضيف أن الضغوط النفسية والصدمات الحادة قد تؤدي إلى تفاقم الأعراض أو حتى ظهور المرض لدى أشخاص لديهم قابلية للإصابة، منوهًا أن واقع المرضى خلال الحرب والظروف الاستثنائية والغير عادية ضاعف معاناتهم بشكل كبير.
ويوضح: "مريض 'الفيبروميالجيا' يحتاج إلى نوم منتظم، وهدوء نسبي، وبيئة مستقرة تساعده على ضبط الأعراض. في حالات النزوح، ينام كثيرون على الأرض أو في أماكن مكتظة، وسط ضجيج دائم وقلق مستمر، وهذا وحده كفيل بتفجير نوبات الألم."
ويتابع أن نقص الغذاء وسوء التغذية، والوقوف لساعات طويلة للحصول على الماء أو الطعام، كلها عوامل تزيد من الإجهاد العضلي وتفاقم الإرهاق المزمن، كما أن غياب الخصوصية والمساحة الشخصية يحرم المريض من الراحة الجسدية والنفسية التي تُعد جزءًا أساسيًا من العلاج.
ويشير إلى أن انقطاع الأدوية المسكنة وصعوبة الوصول إلى المراكز الصحية أو جلسات العلاج الطبيعي والعلاج المعرفي السلوكي، جعل كثيرًا من المرضى يفقدون السيطرة على أعراضهم، حتى من كان قادرًا على إدارة مرضه قبل الحرب، تدهورت حالته بسبب غياب الرعاية المنتظمة.
ويؤكد أن التشخيص يعتمد أساسًا على التاريخ المرضي واستمرار الألم لأكثر من ثلاثة أشهر بعد استبعاد أمراض أخرى مشابهة، لافتًا إلى أنه "لا يوجد تحليل مخبري محدد يثبت الإصابة، ما يتطلب خبرة سريرية دقيقة، وهو أمر يصبح أكثر صعوبة في ظل الضغط على النظام الصحي."
ويوضح أنه لا يوجد علاج شافٍ لـ"الفيبروميالجيا"، لكن يمكن السيطرة على أعراضه عبر خطة متكاملة تشمل أدوية لتخفيف الألم وتحسين النوم، إلى جانب العلاج المعرفي السلوكي، والتمارين الرياضية الخفيفة المنتظمة مثل المشي والسباحة، مع ضرورة تنظيم نمط الحياة وتقليل مصادر التوتر.
الصدمة الجماعية
من جانبها، تقول الدكتورة رائدة عوض الله، أخصائية علم النفس التنموي: "الصدمة الجماعية تؤثر على الجهاز العصبي بطريقة تجعل الجسم في حالة يقظة دائمة، وهذا التحفيز المستمر يرفع استجابة المريض للألم، فتتضاعف شدة الألم حتى مع أبسط المؤثرات مثل الضوضاء أو الحركة اليومية."
وتضيف: "في سياق الحرب، يمكن اعتبار الفيبروميالجيا انعكاسًا جسديًا لصدمات نفسية لم يتم التعامل معها، إذ يعبر الجسم عن الضغوط النفسية من خلال الألم العضلي المزمن والإرهاق واضطرابات النوم. في هذه الحالة، الألم ليس مجرد عرض جسدي، بل لغة الجسد للتعبير عن صدمة غير معالجة."
وتشير إلى أن الخوف المزمن يلعب دورًا محوريًا في تفاقم الحالة: "الخوف المستمر يضع الجهاز العصبي في حالة توتر دائم، يفرز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين، ما يزيد حساسية الألياف العصبية ويجعل المريض أكثر هشاشة تجاه أي محفز، حتى لو كان بسيطًا."
وعن التدخلات النفسية الممكنة، تقول عوض الله: "في مناطق النزوح والدمار، نركز على الدعم النفسي الفوري من خلال جلسات الاستماع، تعليم تقنيات الاسترخاء والتنفس العميق، وتقديم استراتيجيات مواجهة التوتر. على المدى الطويل، يجب دمج العلاج المعرفي السلوكي مع برامج الدعم الاجتماعي لتعزيز التكيف وتقليل أعراض القلق والاكتئاب."
وتوضح: "حتى في ظل غياب الاستقرار المعيشي، يمكن للعلاج المعرفي السلوكي أن يكون فعالًا إذا تم تكييفه ليتناسب مع ظروف المريض، مثل جلسات قصيرة أو تدريبات منزلية بسيطة تساعد على التخفيف من الألم وتحسين قدرة المريض على التعامل مع الصدمة."
وعن سبب ازدياد الألم عند تذكر الأحداث الصادمة، تقول عوض الله: "تذكّر الصدمة يعيد تنشيط شبكة الخوف والألم في الدماغ، فيشعر المريض بألم جسدي حقيقي. في هذه الحالات، يصبح الألم وسيلة يعبر بها الجسد عن الصدمة النفسية غير المعالجة."
وتختم الدكتورة عوض الله بالتأكيد على أهمية برامج الدعم النفسي طويلة المدى، وتدريب الأسرة على دعم المريض، وتوفير برامج جماعية لتخفيف الشعور بالعزلة، وإطلاق خطوط دعم رقمية أو هاتفية لمتابعة الحالات، علاوة على التوعية المجتمعية لتخفيف الوصمة النفسية على المرضى وإدراك حجم المعاناة التي يعيشونها.