قال المختص في الشأن الاقتصادي مصطفى رضوان إن التصريحات المتداولة إعلاميًا والمنسوبة إلى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بشأن إنشاء عملة رقمية مستقرة للاستخدام في غزة، ما تزال – حتى الآن – في إطار الطرح السياسي غير المقترن بإطار مؤسسي أو خطة تنفيذية واضحة، الأمر الذي يجعلها أقرب إلى تصور إعلامي منها إلى مشروع اقتصادي مكتمل المعالم.
وأوضح رضوان أن الفكرة أثارت موجة واسعة من الجدل بين من اعتبرها مدخلًا جديدًا للهيمنة الاقتصادية، ومن رأى فيها فرصة لتقديم حلول مبتكرة لأزمة السيولة في غزة، مؤكدًا أن تقييم الطرح يجب ألا يكون منطلقه الجهة التي اقترحته، بل طبيعة تصميمه وآليات إدارته والغايات التي سيُسخَّر لها.
واقع اقتصادي منهك
وأشار إلى أن اقتصاد غزة يمر بظروف استثنائية نتيجة تداعيات الحرب، في ظل دمار واسع للبنية التحتية، وتعطل سلاسل الإمداد، وشح حاد في السيولة النقدية، إضافة إلى تضخم مدفوع بنقص المعروض والصدمات المتتالية. كما أن القيود المفروضة على حركة النقد الورقي ومحدودية عمل الجهاز المصرفي تجعل البدائل الرقمية مطروحة من حيث الكفاءة وسرعة التحويل.
وبيّن رضوان أن العملة الرقمية المستقرة – إذا كانت مربوطة بأصل ثابت كالدولار – قد تسهم في تسهيل التحويلات وتسريع وصول المساعدات وتقليل تكاليف الوساطة البنكية، خصوصًا إذا استُخدمت كأداة لتحويل الدعم مباشرة إلى الأسر، بما يعزز كفاءة الاستهداف ويحد من الهدر.
جوهر المسألة: الحوكمة والسيطرة
لكنه شدد على أن جوهر القضية لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في الحوكمة، موضحًا أن العملة الرقمية تمثل منظومة متكاملة تتحكم بها الجهة التي تحتفظ بالاحتياطي وتدير البنية التقنية وتمتلك صلاحيات التجميد أو التتبع.
وأضاف أن التجارب السابقة، بما في ذلك إغلاق حسابات لمؤسسات وأفراد فلسطينيين بقرارات مفاجئة، تُظهر حساسية ملف السيطرة على أدوات الدفع، متسائلًا عن طبيعة المخاطر إذا كانت مفاتيح التحكم التقنية والاحتياطيات القانونية تُدار من خارج السياق الفلسطيني.
وحذر رضوان من أن امتلاك ما وصفه بـ"زر التجميد" قد يحوّل العملة الرقمية – في حال توترات سياسية – من أداة تسهيل إلى أداة حصار رقمي فوري، ما يجعلها أداة ضبط بدل أن تكون وسيلة إنعاش اقتصادي.
بين فرصة التحديث ومخاطر التبعية
وأكد أن غزة لا تملك أصلًا سيادة نقدية مستقلة وتعتمد على الشيكل الإسرائيلي إلى جانب الدولار والدينار، لافتًا إلى أن إدخال عملة رقمية جديدة قد يفتح المجال أمام بنية دفع حديثة، لكنه قد يخلق أيضًا نظامًا موازيًا يزيد من التشظي النقدي ويعمّق التبعية إذا لم تُصمم منظومته باستقلالية واضحة.
وشدد على أن معيار التقييم يجب أن ينطلق من سؤال جوهري: هل تعزز هذه العملة قدرة الفلسطينيين على التحكم في مواردهم، أم تنقل مركز القرار إلى الخارج؟
شروط القبول
ووضع رضوان مجموعة شروط اعتبرها ضرورية إذا أُريد للمبادرة أن تتحول إلى أداة إنقاذ حقيقية، أبرزها إدارة مستقلة أو متعددة الأطراف، وشفافية كاملة في الاحتياطيات، وضمانات قانونية تحول دون التجميد التعسفي، إضافة إلى دور رقابي فلسطيني فاعل في التصميم والتشغيل، واقتصار استخدامها في مرحلتها الأولى على المساعدات والتحويلات دون إحلالها محل النظام النقدي القائم.
وختم بالقول إن القضية لا تتعلق بعملة رقمية بحد ذاتها، بل بميزان القوة الذي يقف خلفها، معتبرًا أن الاقتصاد ليس أرقامًا فحسب، بل سيادة أيضًا، وأن التقنية قد تسهم في إعادة البناء، لكنها قد تعيد أيضًا تشكيل من يملك قرار هذا البناء.