أثارت العمليات العسكرية الأميركية التي أطلقتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد النظام الإيراني، بالتنسيق مع إسرائيل، موجة انقسامات حادّة داخل واشنطن بشأن كيفية التعامل مع البرنامجين النووي والصاروخي لطهران، وآليات كبح نفوذها في المنطقة.
وتصاعدت ردود الفعل من مسؤولين ومشرعين أميركيين، بينهم قيادات بارزة في الكونغرس، صباح السبت، عقب إعلان ترمب بدء العمليات تحت مسمى "ملحمة الغضب". كما وجّه دعوة صريحة للإيرانيين للاستيلاء على مؤسسات الدولة، مؤكداً لاحقاً أن أولويته تتمثل في "حرية" الشعب الإيراني، وأن الولايات المتحدة تسعى لجعل إيران بلداً "آمناً".
وفي ظل الجدل القائم بين المشرعين حول ضرورة العودة إلى الكونغرس لاستصدار قرار يتعلق بصلاحيات الحرب، اعتبر عدد من الديمقراطيين أن تصريحات ترمب تجاوزت الأهداف الثلاثة التي أعلنها، والمتمثلة في إنهاء البرنامج النووي الإيراني، ووقف تطوير الصواريخ الباليستية وتدمير الترسانة الصاروخية بعيدة المدى، ووضع حد للدعم الإيراني للميليشيات الحليفة في المنطقة، وفي مقدمتها "حزب الله" في لبنان، وجماعة الحوثي في اليمن، والفصائل الموالية لطهران في العراق.
رئيس مجلس النواب مايك جونسون أوضح أن قادة الكونغرس المعروفين باسم "عصبة الثمانية" — وهم أربعة جمهوريين وأربعة ديمقراطيين مخولون بالاطلاع على معلومات استخبارية بالغة الحساسية — تلقوا إحاطة مسبقة حول احتمال تنفيذ عملية عسكرية ضد إيران، خلال اجتماع سري عُقد في وقت سابق من الأسبوع، بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في إدارة ترمب، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه" جون راتكليف.
وقال جونسون في منشور على منصة "إكس" إن "عصبة الثمانية" أُبلغت بالتفصيل بأن التحرك العسكري قد يصبح ضرورياً لحماية القوات والمواطنين الأميركيين في إيران، مضيفاً أنه تلقى تحديثات لاحقة من الوزير روبيو، وسيبقى على تواصل وثيق مع الرئيس ووزارة الحرب طوال سير العملية.
وأكد روبيو أنه أبلغ بعض أعضاء "عصبة الثمانية" مسبقاً بالضربات. كما تلقى كل من جونسون، وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ السيناتور جون ثون، ونائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ مارك وارنر، إشعاراً مسبقاً.
ترحيب جمهوري
السيناتور ليندسي غراهام، أحد أبرز حلفاء ترمب، وصف العملية الأميركية–الإسرائيلية المشتركة بأنها "ضرورية"، وكتب عبر "إكس" أن "نهاية أكبر دولة راعية للإرهاب باتت وشيكة. حفظ الله الرئيس ترمب وجيشنا وحلفاءنا في إسرائيل"، مضيفاً أن "الحرية للشعب الإيراني الذي عانى طويلاً. هذه العملية ضرورية ومبررة منذ زمن طويل".
بدوره، أشاد النائب الجمهوري توم إيمر بقرار ترمب، واعتبر في تصريحات لشبكة "فوكس نيوز" أن ما جرى "عمل جريء وحاسم"، متهماً المرشد الإيراني علي خامنئي بالمسؤولية عن "تل مئات من أفراد الجيش الأميركي وذبح شعبه".
كما رحب السيناتور الديمقراطي جون فيترمان، الذي كان قد أيد الضربات الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية العام الماضي، بالعمليات الجديدة، قائلاً إن ترمب "أظهر استعداداً لفعل ما هو صواب وضروري لتحقيق سلام حقيقي في المنطقة"، مضيفاً: "حفظ الله الولايات المتحدة وجيشها العظيم وإسرائيل".
انتقادات ودعوات لتقييد الصلاحيات
في المقابل، انتقد النائب الجمهوري توماس ماسي البيت الأبيض لعدم إبلاغ الكونغرس قبل بدء العملية، معتبراً أن العمل العسكري "غير مصرح به من الكونغرس"، ومشيراً إلى أن الولايات المتحدة تهاجم إيران وفق ما نقلته وكالة "أسوشييتد برس".
وقال السيناتور مارك وارنر، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، إن الضربات الأميركية والإسرائيلية تثير "مخاوف قانونية ودستورية بالغة"، مؤكداً أن الدستور يمنح الكونغرس وحده صلاحية إعلان الحرب، وأن تنفيذ عمليات واسعة النطاق، خاصة في غياب تهديد وشيك، يطرح إشكاليات دستورية خطيرة. وطالب الإدارة بتقديم "مبرر قانوني واضح، وهدف نهائي محدد، وخطة تحول دون جرّ الولايات المتحدة إلى حرب مكلفة وغير ضرورية".
من جهته، انتقد السيناتور جاك ريد، كبير الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، الإدارة لعدم تزويد الكونغرس بأي "إحاطات أو معلومات استخباراتية حقيقية" قبل الضربات، معتبراً أنه "من الصعب تبرير أي عمل عسكري دون أساس منطقي".
وكان الديمقراطيون يضغطون من أجل طرح قرار صلاحيات الحرب للتصويت خلال الأيام المقبلة. ودعا السيناتور آندي كيم، عضو لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية، المشرعين إلى العودة فوراً إلى واشنطن لإصدار قرار يحد من سلطة الرئيس في شن أي عمل عسكري إضافي ضد إيران من دون موافقة الكونغرس.
وقال عبر شبكة "سي إن إن" إنه لا يثق بالرئيس بعد ما وصفه بانتهاك صارخ للدستور، مطالباً بانعقاد الكونغرس فوراً للتصويت على صلاحيات الحرب "تأكيداً لإرادة الشعب الأميركي الرافض للحرب".
كذلك، ندد السيناتور الديمقراطي تيم كاين بالضربات الجوية، واصفاً إياها بأنها "خطيرة" و"خطأ فادح"، داعياً مجلس الشيوخ إلى العودة فوراً للتصويت على قرار يمنع استخدام القوات الأميركية في أعمال عدائية ضد إيران من دون تفويض، ومطالباً كل عضو بإعلان موقفه رسمياً من هذا "العمل الخطير وغير الضروري والأحمق".
تحذيرات عسكرية
على الصعيد العسكري، كان كبار القادة في وزارة الحرب الأميركية «البنتاغون» قد حذروا من احتمال نقص الموارد اللازمة لخوض حملة عسكرية مستدامة. وأشار الجنرال المتقاعد من سلاح الجو الأميركي سيدريك لايتون إلى أن التقديرات الاستخبارية تفيد بقدرة إيران على الرد، لافتاً إلى أن الرد السريع الذي أعقب الضربات «مفاجئ» ويعكس استعداداً مسبقاً لمواجهة هجوم بهذه الحدة.
وأوضح لايتون أن إيران تمتلك ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف صاروخ قادرة على إطلاقها، لكنها لا تملك — وفق التقديرات الاستخبارية — منصات الإطلاق التي كانت بحوزتها سابقاً.
وفي السياق ذاته، قال السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل دانيال شابيرو إن الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان "مخاطرة كبيرة"، مضيفاً أن المنطقة تعيش "لحظة محورية، وربما تحولية، في الشرق الأوسط"، معتبراً أن ما أعلنه الرئيس الأميركي يمثل في جوهره "حرباً لتغيير النظام في إيران".
وكان رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين قد عرض على ترمب، خلال الأسابيع الماضية، مجموعة من الخيارات العسكرية المحتملة، وقدم له إحاطات متكررة قبل تنفيذ ضربات السبت.
وتراوحت الخيارات بين قصف محدود يستهدف مواقع نووية محددة، وحملات جوية واسعة النطاق تهدف إلى تغيير النظام وتدمير الجيش الإيراني.
ورغم ذلك، أبدى كاين قدراً كبيراً من التحفظ حيال العواقب المحتملة لهذه الخيارات، بما في ذلك صعوبة التنبؤ بنتائج أي عملية لتغيير النظام. وفي اجتماعات منفصلة داخل "البنتاغون"، عبّر عن قلقه من تداعيات شن عملية واسعة ضد إيران، مشيراً إلى تعقيد المهمة، وضخامتها، واحتمال تكبد خسائر بشرية أميركية خلالها.