تقرير – شهاب
في تطور لافت يتزامن مع اندلاع المواجهة العسكرية بين الاحتلال الإسرائيلي وإيران، تواصل قوات الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى في مدينة القدس المحتلة لليوم الثالث على التوالي خلال شهر رمضان، بذريعة حالة الطوارئ.
ويأتي القرار وسط تحذيرات من استغلال أجواء الحرب لفرض إجراءات ميدانية غير مسبوقة تمسّ بحرية العبادة، وتكرّس واقعًا جديدًا في أحد أكثر الأماكن حساسية دينيًا وسياسيًا في المنطقة.
وكانت قوات الاحتلال قد أغلقت المسجد صباح أول أمس، وأجبرت المصلين على مغادرته، كما منعت إقامة صلاتي العشاء والتراويح داخل باحاته، في سابقة تأتي خلال أكثر الفترات حساسية دينيًا، فيما وصفت محافظة القدس الخطوة بأنها تصعيد خطير يمس بحرية العبادة.
وجاءت هذه الإجراءات بعد ساعات من بدء الولايات المتحدة و"إسرائيل" هجومًا على إيران، حيث أعلن جيش الاحتلال الانتقال إلى حالة الحرب وفرض حالة الطوارئ في مختلف المناطق، بما يشمل تعطيل المدارس والمؤسسات والأعمال باستثناء الحيوية منها، بالتوازي مع تشديد غير مسبوق للحواجز العسكرية وإغلاق مداخل مدن وبلدات في الضفة الغربية.
وتتقاطع هذه التطورات مع اندلاع مواجهة عسكرية بين “إسرائيل” وإيران، ما يثير مخاوف من استغلال أجواء الحرب لفرض وقائع ميدانية جديدة في القدس، خصوصًا في ظل حساسية شهر رمضان ومكانة المسجد الأقصى الدينية والسياسية لدى الفلسطينيين والمسلمين عمومًا.
مخاوف من فرض واقع جديد
الباحث في شؤون القدس، عبدالله معروف، عقب على مواصلة قوات الاحتلال "الإسرائيلي" إغلاق المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، بذريعة الطوارئ والحرب مع إيران، مؤكداً أن هذا الإجراء يأتي في سياق مخطط مسبق لاستغلال الظروف السياسية والعسكرية لفرض واقع جديد في المسجد.
وقال معروف في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، إن “إغلاق المسجد الأقصى المبارك في شهر رمضان بحجة الحرب هو ما حذرنا منه مراراً، إذ يسعى الاحتلال إلى استغلال أجواء الحرب لتثبيت سيادته السياسية والإدارية الكاملة على المسجد الأقصى بالقوة، لا سيما أن ذلك يحدث في أيام ذات طابع ديني خاص جداً، بما يحمله شهر رمضان من مكانة ورمزية لدى المسلمين”.
وأوضح أن تنفيذ هذا الإغلاق في أكثر الفترات حساسية من الناحية الدينية يمنح الاحتلال، في حال استمراره، ذريعة للتحكم الكامل بالمسجد الأقصى حتى بعد انتهاء الشهر الفضيل، باعتبار أنه نجح في فرض إرادته خلال أصعب توقيت يمكن أن يواجه فيه رفضاً شعبياً واسعاً.
وأضاف معروف أن المرحلة الحالية تفرض مسؤولية كبيرة في مواجهة هذا الإجراء، مشيراً إلى أن فترات الحروب عادة ما تتسم بحالة من الاضطراب، وهو ما يتطلب تحركاً فاعلاً للضغط من أجل التراجع عن هذه السياسات، والحيلولة دون تكريس واقع جديد في المسجد الأقصى.
وشدد على أن الحفاظ على حق الوصول إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان يمثل أولوية وطنية ودينية، داعياً إلى تكثيف الجهود الشعبية والسياسية والقانونية لوقف الإغلاق وإعادة فتح المسجد أمام المصلين.
بدوره، اعتبر المختص في شؤون القدس زياد إبحيص، إغلاق الأقصى في هذا التوقيت يمثل “ذروة الاستفراد”، ويكرّس وضع المسجد تحت ما وصفه بـ”السيادة الإسرائيلية المزعومة”، مؤكدًا على أن إغلاق الأقصى في رمضان لا يجب أن يُترك ليمرّ أو يستمر، مشددًا على ضرورة مواجهته بكل السبل الممكنة.
استغلال خطير للحرب
ومن جانبه، علّق الشيخ علي اليوسف، مسؤول ملف القدس في هيئة علماء فلسطين – لبنان، على إغلاق سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" للمسجد الأقصى خلال شهر رمضان، واصفًا هذا الإجراء بـ“نذير حرب كبيرة”، مؤكدًا أن استهداف المسجد الأقصى يُعدّ جزءًا من المخططات التهويدية التي يسعى الاحتلال لفرضها على المدينة المقدسة.
وقال اليوسف في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، إن “الصهاينة يريدون استغلال أي حادث إقليمي لتسريع إغلاق المسجد الأقصى والعدوان عليه وتهويده، متذرعين بالحرب والظروف الأمنية".
وأضاف أن ما يحدث “يمثل تحديًا للأمة العربية والإسلامية ولكل أحرار العالم”، مؤكدًا أن المسجد الأقصى مقدس لجميع المسلمين وأن أي اعتداء عليه في شهر رمضان يحمل أبعادًا دينية وسياسية كبيرة.
وأشار إلى أن “المخطط الصهيوني يستهدف تهويد المدينة المقدسة بالكامل وبناء ما يسمى بـهيكل سليمان على أنقاض الأقصى، وأن أي محاولة للسيطرة على المسجد لن تمر دون رد من الأمة”، مؤكدًا أن استمرار الانتهاكات يشير إلى خطورة الموقف وأن الاحتلال يحفر لنفسه قبورًا بأيديهم.
وتابع الشيخ اليوسف: “الاعتداء على المسجد الأقصى في رمضان ليس مجرد خطوة محلية، إنما هو انتهاك لحرمة دينية عالية لدى المسلمين في كل أنحاء الأرض”، داعيًا إلى تحرك عاجل على المستويين الشعبي والدولي لحماية المقدسات.
وأكد اليوسف أن هذه الاعتداءات تُعدّ انتهاكًا صارخًا لحرمة الأقصى، ومؤشرًا على تصعيد قد يمتد إلى المنطقة بأسرها، محذرًا من أن إغلاق المسجد في شهر رمضان يحمل أبعادًا سياسية تتجاوز المبررات الأمنية المعلنة، ويستهدف عزله عن المسلمين ومنعهم من أداء شعائرهم الدينية بحرية.
وتابع قائلًا إن المسجد الأقصى سيبقى مركز اهتمام الأمة الإسلامية، وأن أي اعتداء عليه أو محاولة فرض واقع جديد في القدس “لن تغير من هويته أو مكانته الراسخة في وجدان المسلمين”.
ذريعة لإغلاق الأقصى
ومن جانبه، قال رئيس مركز القدس الدولي حسن خاطر إن إقدام سلطات الاحتلال على إغلاق المسجد الأقصى في شهر رمضان بحجة حالة الطوارئ واندلاع الحرب “لم يكن أمراً مستبعداً”، مؤكداً أن هذا السيناريو جرى تداوله خلال الأيام الماضية في ظل التصعيد القائم.
وأوضح خاطر في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن تبرير الإغلاق بدعوى حماية المصلين ومنع التجمعات في ظل حرب الصواريخ “قد يبدو في ظاهره إجراءً منطقياً من الناحية الأمنية، خاصة إذا ما قُدِّم على أنه يهدف إلى الحفاظ على أرواح المدنيين وتجنب المخاطر المحتملة”.
غير أنه شدد على أن “الهدف الاستراتيجي للاحتلال لا يتمثل في الحرص على سلامة المصلين بقدر ما هو استغلال ظرف الحرب كذريعة قوية لإغلاق المسجد الأقصى، وربما أيضاً المسجد الإبراهيمي، لفترة زمنية قد تطول”.
واعتبر خاطر أن مثل هذه الخطوة “تشكل ضربة كبيرة للمسجدين الأقصى والإبراهيمي، ومحاولة واضحة لعزلهما عن المسلمين، لا سيما في شهر رمضان المبارك، الذي يمثل الشهر النابض بالحياة فيهما، ومحطة سنوية رئيسية لإفشال العديد من مخططات التهويد التي تستهدفهما على مدار العام”.
وتابع قائلا إن إغلاق المقدسات في هذا التوقيت الحساس يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز المبررات الأمنية المعلنة، ويمس بشكل مباشر بحق المسلمين في الوصول إلى أماكنهم المقدسة وأداء شعائرهم الدينية بحرية.
بالتوازي مع إغلاق المسجد الأقصى، صعّدت سلطات الاحتلال إجراءاتها العسكرية في القدس والضفة الغربية، فأغلقت الحرم الإبراهيمي ومنعت المصلين وموظفي الأوقاف من دخوله، مع تشديد الحواجز العسكرية وإغلاق مداخل مدن وبلدات فلسطينية.