قائمة الموقع

أيام عصيبة لاقتصاد الخليج.. منشآت النفط والتجارة تحت نيران التصعيد

2026-03-03T08:40:00+02:00
مصفاة رأس تنورة التابعة لأرامكو السعودية
شهاب - وكالات

تعيش دول الخليج واحدة من أكثر المراحل حساسية وتوتراً في تاريخها الحديث، في ظل العدوان العسكري غير المسبوق من الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. وقد امتد نطاق المواجهة إلى أراضي الخليج ومياه المنطقة، بعدما طاولت صواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية قواعد عسكرية  أمريكية.

وشهدت مصفاة رأس تنورة التابعة لأرامكو، أمس الاثنين، هجوماً بطائرة مسيّرة إيرانية أسفر عن اندلاع حريق محدود جرى احتواؤه سريعاً، إلا أن الحادثة دفعت إلى إغلاق المصفاة ووقف العمليات فيها كإجراء احترازي. ويُنذر هذا التطور، وفق تقديرات اقتصادية، بتداعيات مالية واسعة قد لا تقتصر على السعودية فحسب، بل تمتد آثارها إلى الأسواق العالمية.

وجاءت هذه التطورات عقب هجمات مكثفة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل على أهداف داخل إيران، لترد طهران بسلسلة ضربات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت قواعد امريكية فى دول الخليج.

وسُجل في هذا السياق أول استهداف مباشر لميناء تجاري في سلطنة عُمان، هو ميناء الدقم، إضافة إلى استهداف ناقلة نفط قبالة السواحل العُمانية، في خطوة تعكس اتساع رقعة المواجهة إلى المجالين البحري والتجاري.

وامتدت تداعيات التصعيد إلى الاقتصاد البحري الحيوي لدول الخليج، حيث أفادت تقارير بتوقف عدد من ناقلات النفط التجارية عن عبور مضيق هرمز، بعد إعلان إيران إغلاق هذا الممر المائي الاستراتيجي.

ويكتسب استهداف مصفاة رأس تنورة أهمية مضاعفة نظراً لمكانتها كأحد أكبر مراكز تصدير النفط في العالم، إذ تبلغ طاقتها التشغيلية نحو 550 ألف برميل يومياً، وتضم منشآت وميناءً لتصدير النفط الخام والمنتجات المكررة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.

ويعني أي توقف جزئي في عملياتها تأجيل شحنات نفطية وارتفاعاً فورياً في تكاليف النقل والتأمين، فضلاً عن خسائر مباشرة في الإيرادات النفطية السعودية، وسط تحذيرات محللين من احتمال توسع الضربات لتطال منشآت نفطية وغازية أخرى في دول خليجية.

و بحسب تقرير نشرته وكالة رويترز يعيد هذا المشهد إلى الواجهة مخاطر سابقة تعرضت لها البنية التحتية النفطية السعودية، غير أن البعد الجديد يتمثل في تأثيره المباشر على ثقة المستثمرين في بيئة الإنتاج الخليجي، التي تبدو أكثر هشاشة أمام الهجمات الموجهة إلى المنشآت الحيوية.

ولم تقتصر الانعكاسات على قطاع الطاقة، إذ أظهرت بيانات رسمية تعليق عدد من الرحلات الجوية التجارية في الإمارات وسلطنة عُمان بعد إغلاق المجال الجوي كإجراء احترازي، ما زاد الضغوط على قطاع السياحة والنقل الجوي، الذي يشكل ركيزة أساسية لاقتصادات مدن مثل دبي وأبوظبي ومسقط.

ورغم أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية المدنيين، فإنها تضاعف الخسائر الاقتصادية الفورية وتعمّق حالة عدم اليقين في الأسواق، ما يشكل تهديداً مباشراً لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي.

وتشير  تقديرات تحليلية غربية إلى امتلاك إيران قدرات لاستهداف منشآت تكرير ومحطات معالجة ومرافئ تصدير في أكثر من دولة خليجية، باستخدام مزيج من الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة، وفق تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.

 يرى الخبير الاقتصادي علي متولي، أن التطورات الراهنة نقلت مستوى المخاطر من إطار التوتر الجيوسياسي إلى تعطّل لوجستي ملموس، بعد أن خرجت الضربات عن نطاق المواجهة المباشرة لتشمل ميناء الدقم التجاري وناقلات نفط قرب السواحل العُمانية.

ويشير فى تصريح تابعته "شهاب" إلى أن استهداف الناقلات بطائرات مسيّرة أدى إلى إصابات بين الطواقم وأضرار في سفن أخرى، ما أسفر عن تعليق حركة أو رسو أكثر من 200 سفينة بانتظار تقييم المخاطر، وهو ما انعكس فوراً على سلاسل الإمداد عبر تباطؤ الحركة وتأخر الجداول الزمنية حتى قبل أي إغلاق رسمي للممرات.

ويؤكد متولي أن التأثير الأوضح يظهر في قطاعي التأمين والشحن، موضحاً أن أجور ناقلات النفط بين الشرق الأوسط وآسيا بلغت بالفعل مستويات قياسية منذ عام 2020، إذ تجاوزت تكلفة تشغيل بعض الناقلات العملاقة 200 ألف دولار يومياً.

و يتوقع ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب في الخليج بنسبة تتراوح بين 25% و50%، ما سيزيد تكلفة الشحنات ويدفع العديد من الخطوط الملاحية إلى تأجيل رحلاتها أو إعادة تموضعها، وهو ما ينعكس سلباً ليس على سوق النفط العالمي فقط، بل على موازنات دول الخليج أيضاً.

ويضيف أن دخول سلطنة عُمان ضمن نطاق الاستهداف يحمل دلالات تتعلق بثقة المستثمرين، إذ كانت منطقة الدقم تُعد جزءاً محورياً من البنية اللوجستية الخليجية المرنة، إلا أن محيطها يشهد حالياً ارتفاعاً في علاوة المخاطر قصيرة الأجل، ما يدفع المستثمرين إلى إعادة تسعير مخاطر التنفيذ والتأمين والتعطل والاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، الأمر الذي يقلص مؤقتاً جاذبية المشاريع القائمة على الاستقرار التشغيلي الذي ميّز الاستثمار الخليجي في مجالي الموانئ والطاقة.

ورغم هذه التحديات، يشير متولي إلى أن اقتصادات دول المجلس ما تزال مدعومة بتوقعات نمو تتراوح بين 4% و4.5% خلال عام 2026، مدفوعة بالأنشطة غير النفطية، إلا أن استمرار التصعيد خلال الربع المقبل قد يؤدي إلى تباطؤ نسبي في النمو دون الوصول إلى انهيار شامل، مع استفادة الدول المصدرة مالياً من ارتفاع أسعار النفط.

في المقابل، يحذر من أن هذه المكاسب قد تتآكل جزئياً نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتذبذب الصادرات، مع بقاء قطاعات الخدمات اللوجستية والتجارة والطيران والصناعات كثيفة الاستيراد الأكثر عرضة للتأثر، معتبراً أن صدمة الحرب تحولت من احتمال ركود إلى صدمة تكلفة ومخاطر مؤقتة، ما لم يتطور التعطل إلى إغلاق طويل الأمد للممرات البحرية.

من جانبه، يلفت الخبير الاقتصادي العُماني خلفان الطوقي إلى أن التأثير الاقتصادي يتركز في شريانين رئيسيين للتجارة الدولية هما مضيق هرمز والبحر الأحمر، متوقعاً اضطرابات كبيرة في الملاحة وسلاسل الإمداد عبر المضيق، مع بقاء التأثير المباشر على ميناء الدقم محدوداً جداً.

ويرجح الطوقي فى تصريح تابعته شهاب أن تستمر حالة الاضطراب في المنطقة لثلاثة أسابيع، مشيراً إلى امتلاك السلطنة احتياطيات استراتيجية من المواد الغذائية والسلع الأساسية تكفي لمدة ستة أشهر، ما يقلل احتمالات حدوث تضخم كبير أو نقص في الاحتياجات المعيشية خلال هذه المرحلة.

وفي الوقت ذاته، يرى أن دول الخليج المنتجة للنفط والغاز قد تستفيد من الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة الناتج عن تعطل سلاسل الإمداد وإغلاق المضائق، بما يعوض جزئياً التحديات اللوجستية، ويمنح الدول المصدرة ميزة نسبية في ظل الأزمات الجيوسياسية.

ويبرز ميناء الدقم، بوصفه منفذاً بديلاً وآمناً نحو أسواق شرق آسيا الكبرى مثل الهند والصين وكوريا واليابان، بعيداً عن بؤر التوتر في البحر الأحمر، ما يجعله خياراً استراتيجياً لضمان استمرار الصادرات دون تأثر كبير بالضربات الراهنة.

غير ان احتمال اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مصالح أميركية أخرى في السلطنة، ولا سيما في منطقة صلالة ومينائها الحيوي، قد يكون أكثر عرضة للتأثر مقارنة بالدقم إذا تصاعدت وتيرة الهجمات.

اخبار ذات صلة