قائمة الموقع

 توقف الإنتاج القطري يرفع أسعار الطاقة ويدخل العالم بـ"صدمة طاقية" 

2026-03-05T10:26:00+02:00
شهاب - وكالات

أشعل توقف "قطر للطاقة" عن إنتاج الغاز الطبيعي المسال يوم الاثنين الماضي ما يسميه خبراء الاقتصاد بـ"صدمة طاقية" عالمية، دفعت الأسواق إلى تسعير المخاطر الجيوسياسية والخوف قبل تسعير العرض نفسه.

في الثاني من مارس/آذار، أغلقت الشركة أكبر منشآت تصدير الغاز المسال في رأس لفان شمال شرق الدوحة، ما يعني عملياً خروج أحد أهم مزوّدي العالم للغاز من المعادلة ولو مؤقتاً.

قفزت العقود الآجلة للغاز في أوروبا بأكثر من 50% في جلسة واحدة، لتسجل أكبر قفزة منذ أزمة 2022 المرتبطة بالحرب الروسية على أوكرانيا، مع تداول الأسعار قرب 50 يورو لكل ميغاواط/ساعة. وفي سوق الشحن، تضاعفت تكلفة استئجار ناقلات الغاز المسال في حوض الأطلسي والمتوسط بنسبة تقارب 100%، متجاوزة 200 ألف دولار يومياً للناقلة الواحدة خلال أقل من 24 ساعة.

وتفسر هذه التحركات الحادة حقيقة أن قطر تمثل نحو 12% من صادرات الغاز المسال العالمية، وأن أي تعطل مفاجئ في إمداداتها يخلق فجوة يصعب تعويضها سريعاً.

رغم أن حصة الغاز القطري في واردات أوروبا من الغاز المسال تُقدّر بنحو 14% فقط، فإن مستوى المخزونات المنخفض لهذه الدول يجعل القارة شديدة الحساسية لأي اضطراب طويل، إذ تقل المخزونات عن ثلث السعة في عدد من الدول، حيث تصل مخزونات ألمانيا إلى 27% وهولندا دون 10%، فيما يبلغ المتوسط الأوروبي نحو 30%. وتعتبر دول مثل إيطاليا وفرنسا وبلجيكا من بين الأكثر عرضة لتأثيرات الانقطاع، نتيجة اعتمادها المتزايد على الغاز المسال بعد خفض الإمدادات الروسية، في ظل هدف أوروبي للتخلص التدريجي من الغاز الروسي بحلول عام 2027.

يشير الخبراء إلى أن الارتفاع الحاد في الأسعار يُعرف بـ"تسعير الخوف" في أوقات الحروب والاضطرابات، إذ يتوقع المتداولون فجوة قد تصل إلى 20% من الإمدادات الفورية قصيرة الأمد في سوق الغاز المسال، ما يضغط على سلاسل التوريد ويرفع تكاليف الطاقة الصناعية بنسبة قد تصل إلى 25% بشكل فوري.

وأي تمدد للأزمة سيجبر أوروبا على السحب من مخزونات احتياطية أعلى تكلفة والاعتماد على الشحنات الفورية بأسعار مرتفعة، ما يعني فواتير أكبر للكهرباء والصناعة والنقل. وأكد الخبير في الاقتصاد السياسي رائد المصري هشاشة أوروبا أمام توقف طويل، مشيراً إلى أن المخزونات منخفضة والبدائل محدودة والوقت قصير قبل الشتاء المقبل إذا طال أمد الأزمة.

أما آسيا، فهي من بين الأكثر تضرراً، إذ تُقدّر حصة القارة بنحو 85% من صادرات الغاز المسال القطري، مع اعتماد كبير من الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على الإمدادات القادمة من الخليج. يدفع توقف الإنتاج المشترين الآسيويين إلى المنافسة على أي شحنات متاحة في السوق الفوري والمزايدة على الأسعار في مواجهة الطلب الأوروبي، ما يخلق "حرب مزايدات" على الغاز.

وتشير تقديرات محللي غولدمان ساكس إلى أن توقف الإمدادات عبر مضيق هرمز لمدة شهر قد يرفع أسعار الغاز في أوروبا والغاز الفوري في آسيا بما يصل إلى 130%.

دول نامية مثل الهند وبنغلادش وباكستان قد تواجه صعوبات أكبر من الاقتصادات المتقدمة في تحمّل الأسعار المرتفعة أو تأمين بدائل، فيما يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، ما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي، إضافة إلى حصة تتراوح بين 20% و30% من تجارة الغاز المسال العالمية، ونحو 11% من التجارة العالمية المنقولة بحراً.

وأي تهديد بإغلاق أو تعطيل الملاحة في المضيق يزيد تكاليف الشحن والتأمين، ويؤدي إلى تأخر شحنات النفط والغاز، ما يضغط على الأسعار ويستنزف المخزونات الاستراتيجية. وستكون بكين من بين الأكثر تضرراً، إذ يمر عبر هرمز ما بين 40% و50% من وارداتها النفطية، ما يعزز حساسية الصين تجاه أي توتر في هذا الممر الحيوي، وفق مراد كواشي، الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي. هذه المعطيات تفسر انتقال الأسواق سريعاً إلى تسعير المخاطر الجيوسياسية، لا سيما في أسعار النفط والغاز والشحن والتأمين.

في المقابل، ثمة مستفيدون مؤقتون من صدمة الغاز القطري، من أبرزهم الولايات المتحدة وأستراليا وروسيا، إذ يمكنهم تسويق شحنات إضافية لسد جزء من الفراغ القطري مع هامش لرفع الأسعار. لكن الاستفادة مشروطة باستقرار طرق الشحن الرئيسية وعدم توسع رقعة الحرب بما يعرقل الصادرات أو يرفع تكاليف الشحن، ما يقلل من المكاسب المحتملة.

وأشار كواشي إلى أن الفراغ القطري يفتح نافذة مؤقتة لمنافسين، لكنه لا يلغي أخطار اضطرابات أوسع على السوق بأكمله. إلى جانب تضاعف أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية، ارتفع الفرنك السويسري إلى أعلى مستوى له منذ سنوات، وعزز الدولار موقعه كملاذ آمن، ما يعكس أهمية قطر في السوق الطاقية العالمية.

ويعتبر كواشي أن العالم أمام صدمة طاقية كبيرة، متوقعاً وصول سعر برميل النفط إلى 100 دولار خلال الأيام القليلة المقبلة، مع إعادة تشكيل خرائط المخاطر الجيوسياسية وتحرك الأسواق بلغة الترقب والخوف، فيما يعيد المستثمرون عالمياً هيكلة استثماراتهم نحو أصول مالية آمنة بعيداً عن الأصول عالية المخاطر.

كما أشار إلى أن ما حدث منذ الثاني من مارس يبرز قوة قطر ومكانتها في سوق الطاقة العالمية، إضافة إلى مصداقية شركة قطر للطاقة وتحلّيها بالمسؤولية، إذ أبلغت جميع الأطراف ذات المصلحة بتفاصيل ما جرى والإجراءات المتخذة، ما يعكس مستوى متقدماً من الحوكمة والشفافية في إدارة أزمة تمس أمن الطاقة العالمي.

أما الأثر الكلي المحتمل فيتمثل في تباطؤ النمو العالمي، وارتفاع التضخم، وتضاعف تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى ضغوط إضافية على المستهلكين في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل، وهو ما يتسق مع تحذيرات مؤسسات بحثية من أن استمرار الأزمة قد يعيد سيناريوهات شبيهة بأزمة 2022 ولكن على نطاق أوسع.

 

اخبار ذات صلة