قائمة الموقع

تقرير كارثة صحية تضرب غزة.. النفايات المتراكمة والخدمات المتوقفة تخنق المدينة

2026-03-09T11:27:00+02:00
وكالة شهاب

تقرير /شهاب

يقف أمجد أبو عون أمام منزله ، محاولًا إغلاق نافذة تطل مباشرة على كومة كبيرة من النفايات تراكمت عند مدخل الشارع، محاولا وضع قطعة قماش مبللة على إطار النافذة في محاولة لتخفيف الرائحة التي باتت تتسلل إلى داخل المنزل على مدار الساعة.

تعيش بلديات قطاع غزة أزمة خانقة تهدد استمرارية الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على المعابر ومنع إدخال الوقود والمواد اللازمة لتشغيل المرافق الحيوية، ما ينذر بتدهور بيئي وصحي يطال أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع.

وتواجه البلديات على وجه الخصوص صعوبات كبيرة في جمع وترحيل النفايات نتيجة نقص الوقود وتضرر الآليات والبنية التحتية، ما أدى إلى تراكم كميات ضخمة من النفايات في المدن والمخيمات.

وتفاقمت الأزمة مع تعطل مكبات النفايات الرئيسية وصعوبة الوصول إليها بسبب الدمار والقيود المفروضة، ما يزيد من خطورة الوضع البيئي والصحي في مختلف مناطق القطاع.

حالة من القلق

يقول أبو عون "46 عاما": "لم يعد فتح النوافذ متاحًا، فأكوام القمامة والنفايات المتراكمة منذ أيام تحولت إلى ما يشبه مكبًا مفتوحًا، تتصاعد منه روائح حادة تزداد ثقلًا مع مرور الأيام، بينما يحوم الذباب بكثافة فوق الأكوام المتكدسة".

يوضح أبو عون لـ"شهاب" أن الروائح باتت تدخل البيوت حتى مع إغلاق النوافذ بإحكام، مضيفًا أن أفراد أسرته يضطرون إلى إشعال البخور أو استخدام المعطرات بشكل متكرر في محاولة للتغلب على الرائحة التي تملأ المكان.

ويشير إلى أن المشكلة لا تقف عند حدود الروائح الكريهة، بل تمتد إلى أسراب الذباب التي تنتشر حول القمامة وتجد طريقها بسهولة إلى داخل المنازل.

ويضيف أن الحياة اليومية في الحي تغيرت بشكل ملحوظ، فالأطفال لم يعودوا يلعبون في الشارع كما كانوا يفعلون في السابق، بعدما طلب منهم الأهالي الابتعاد عن المنطقة القريبة من أكوام القمامة خوفًا من الحشرات والأمراض التي قد تنتشر في المكان.


 

ويشير أبو عون إلى أن السكان يعيشون حالة من القلق المتزايد مع استمرار تراكم النفايات لأيام، موضحًا أن الروائح تشتد خصوصًا في ساعات الظهيرة، حين تصبح الأجواء خانقة في الأزقة الضيقة التي لا تكاد تتحمل أصلاً هذا الكم من المخلفات.

ويقول إن سكان الحي حاولوا مرارًا جمع النفايات في أكياس وإبعادها قليلًا عن مداخل البيوت، لكن مع تزايد الكميات وغياب عمليات الجمع المنتظمة لم يعد ذلك كافيًا، لتتحول أكوام القمامة إلى جزء من المشهد اليومي في الشارع.

على أطراف حوض الميناء غربي مدينة غزة، حيث نصبت عشرات العائلات خيامًا مؤقتة بعد أن فقدت منازلها، تجلس رواء شلدان أمام خيمتها الصغيرة محاولةً تناسي الروائح المنبعثة من جانب الخيمة، حيث تتكدس أكوام من المخلفات المنزلية التي تراكمت لعدة أيام، حتى باتت تحيط بالمكان من أكثر من جهة.

تروي شلدان أن العائلات حاولت في البداية جمع النفايات في أكياس ووضعها في طرف الساحة بعيدًا عن أماكن النوم، لكن مع تزايد أعداد النازحين وضيق المساحة لم يعد ذلك ممكنًا. وتقول إن القمامة سرعان ما تتراكم من جديد، لتعود الروائح وتملأ المكان.

وتشير إلى أن أكثر ما يرهقهم هو ساعات الظهيرة، حين تشتد كثافة الروائح وحدتها، حتى إن الجلوس داخل الخيمة يصبح صعبًا. وتضيف أن الذباب يملأ المكان ويقترب من الطعام الذي يُعد داخل الخيام، ما يدفعهم إلى تغطية الأواني باستمرار ومحاولة إبعاد الحشرات بوسائل بسيطة.

ومع حلول الليل، تتغير صورة المكان أكثر، إذ تظهر الحشرات الزاحفة والقوارض التي تجد في أكوام النفايات مصدرًا للغذاء.

وتضيف أن هذه القوارض باتت تقترب من الخيام وتتحرك حول أماكن النوم، ما يجعل كثيرًا من العائلات تبقى في حالة يقظة خوفًا على أطفالها.

جهود محدودة التأثير

وتشير شلدان إلى أن الحياة في الخيام أصبحت أكثر قسوة مع استمرار تراكم النفايات، موضحة أن العائلات تحاول قدر الإمكان تنظيف محيط خيامها، لكن الكميات الكبيرة من القمامة تجعل هذه الجهود محدودة التأثير.

من جانبه، يقول الناطق باسم بلدية غزة حسني مهنا إن بلديات القطاع تواجه أزمة حادة نتيجة النقص الكبير في الوقود اللازم لتشغيل الآليات والمرافق الخدمية، بسبب استمرار إغلاق المعابر وتقليص كميات الوقود الواردة.

وأوضح مهنا أن هذا الواقع يهدد بانهيار منظومة الخدمات في قطاع غزة ويضع حياة أكثر من مليوني مواطن على المحك، محذراً من تفاقم الحالة الإنسانية في ظل واقع صحي وبيئي كارثي.

وبيّن  مهنا لـ"شهاب" أن البلديات اضطرت إلى تقليص عدد من الخدمات الأساسية، مشيرًا إلى توقف عمليات فتح الشوارع وإزالة الركام في العديد من محافظات القطاع، وخاصة في مدينة غزة.

ويضيف أن طواقم البلدية قلّصت أيضًا عمليات جمع وترحيل النفايات من وسط المدينة ومن عدة مناطق أخرى بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل الآليات، ما أدى إلى انتشار وتكدس النفايات وظهور مكبات عشوائية، الأمر الذي يشكل خطراً كبيراً على الصحة العامة والبيئة.

ويشير إلى أن الأزمة دفعت البلديات كذلك إلى تقليص ساعات تشغيل المولدات الكهربائية الاحتياطية التي تعتمد عليها آبار المياه ومضخات الصرف الصحي، ما يؤثر بشكل مباشر على كميات المياه التي تصل إلى السكان.

ولفت إلى أن مدينة غزة تعيش أزمة بيئية وصحية متفاقمة نتيجة تراكم النفايات وانتشار الحشرات والقوارض، إضافة إلى طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المناطق بسبب الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية خلال الحرب.

ودعا مهنا المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل للضغط من أجل وقف الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بإغلاق المعابر وتقليص كميات الوقود الواردة إلى القطاع، والسماح بإدخال احتياجات البلديات من الوقود والآليات والمعدات الثقيلة اللازمة لاستمرار الخدمات.

كارثة صحية وبيئية

وأكد أن البلديات بحاجة ماسة إلى كميات كافية من الوقود لضمان استمرار تقديم الخدمات الأساسية، في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها محافظات غزة نتيجة الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية.

من جهته، حذر اتحاد بلديات قطاع غزة من أن أزمة نقص السولار وتوقف توريده بشكل منتظم وصلت إلى مستوى غير مسبوق، ما يهدد بانهيار شامل في المنظومة الخدماتية ويضع حياة أكثر من مليوني إنسان في خطر.

وأوضح الاتحاد في بيان أن البلديات اضطرت إلى تقليص مهامها الأساسية، بما يشمل فتح الطرق وإزالة الركام ورفع المكاره الصحية، إضافة إلى صعوبة تشغيل محطات المياه ومضخات الصرف الصحي والمرافق الحيوية حتى بالحد الأدنى.

وأكد أن استمرار هذا الوضع ينذر بكارثة صحية وبيئية وإنسانية يصعب احتواؤها لاحقًا، مشيرًا إلى أن البلديات استنفدت معظم إمكاناتها ولم يعد لديها ما يمكنها من مواجهة الأزمة دون تدخل عاجل لتوفير الوقود وضمان انتظام دخوله إلى القطاع.

وأشار الاتحاد إلى أن صمت المجتمع الدولي أمام الانهيار الوشيك للخدمات الأساسية يترك سكان قطاع غزة والنازحين فيه أمام واقع إنساني قاسٍ يهدد حياتهم وكرامتهم.

اخبار ذات صلة