قائمة الموقع

تقرير معلمة من غزة توظف منهج "مونتيسوري" لدعم الأطفال الفلسطينيين في القاهرة

2026-03-14T16:53:00+02:00
وكالة شهاب

تقرير/ شهاب

يعيش الفلسطينيون النازحون فى مصر تجربة معقدة من الاغتراب والنزوح القسري، حيث يواجهون تحديات يومية في تأمين حياة مستقرة، بدءًا من صعوبة الحصول على التعليم والخدمات الأساسية، وصولًا إلى شعورهم بالغربة وسط مجتمع جديد يختلف في اللهجة والعادات والتفاصيل اليومية.

لكن وسط هذه الصعوبات، يظهر الفلسطينيون بروح مرنة وإيجابية، بحثًا عن سبل للاندماج والمساهمة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مصر، دون أن يفقدوا صلتهم بأهلهم وبيئتهم الأصلية في غزة.

لكل فرد منهم قصة، ولكل مهنة أو خبرة وسيلة لإعادة بناء الروابط والدعم ، الغزية جهاد خليل شرف، معلمة ومنسقة إعلام تربوي ، مثلت هذه الرغبة لديها تحديًا شخصيًا وفرصة عملية في الوقت نفسه، فمنذ الشهور الأولى لوصولها مصر، أدركت جهاد أن الأطفال النازحين الفلسطينيين في مصر يواجهون صعوبات مزدوجة فى الحصول على التعليم .

نفسيًا وتعليميًا

تقول جهاد شرف لـ" شهاب" : "عندما وصلت إلى القاهرة بعد نزوح قسري مع عائلتي، وجدت الأطفال الفلسطينيين النازحين يعيشون صدمة الغربة وعدم الاستقرار بشكل واضح، فالحياة هنا مختلفة تمامًا عن غزة، من اللهجة إلى العادات اليومية وحتى طريقة تعامل الناس مع الأطفال، كل ذلك أثر على شعورهم بالأمان والانتماء، سيما ان الغالبية العظمي منهم جاءوا من مراكز النزوح التى فرضتها الحرب ".

وتضيف جهاد: "قررت أن أستخدم خبرتي التربوية وأساليب مونتيسوري التعليمية لتوفير بيئة تعليمية مرنة وآمنة للأطفال، تساعدهم على استعادة شعور الروتين اليومي وتمنحهم فرصة للتعلم الذاتي .

بدأت بتنظيم الأنشطة الصفية اليومية، وأطلقت مشروع حقائب التعلم المنزلي التي يمكن للأطفال استكشافها بمفردهم أو مع آبائهم في الحقائب تم التبرع بها من شركة تعليمية من الجالية الفلسطنينة بالامارات ، مع تقديم ورش عمل توعية للآباء حول كيفية دعم الأطفال نفسيًا وتعليميًا في المنزل من خلال مشروع مدعوم من عدة جهات وفريق من السيدات الفلسطينيات.

وتتابع جهاد: "الهدف كان أن يشعر كل طفل بأنه قادر على التعلم واستكشاف مهاراته بطريقة عملية، بعيدًا عن الضغط أو القلق. ومع مرور الوقت، لاحظت كيف بدأ الأطفال في التأقلم تدريجيًا مع الحياة الجديدة، وتنمية مهاراتهم الأكاديمية والاجتماعية والعاطفية، بل وحتى تعزيز شعورهم بالهوية والانتماء رغم صعوبات النزوح والابتعاد عن وطنهم".

وتؤكد جهاد: "تحويل تجربة النزوح القاسية إلى فرصة تعليمية كان تحديًا، لكنه أثبت لي أن قدرة الأطفال على التعلم والنمو لا تتوقف أمام الحواجز القانونية أو الظروف القهرية،الاهتمام المبكر بالتعليم والتنشئة الصحية ليس مجرد تعليم أكاديمي، بل هو سلاح حقيقي ضد الصدمات النفسية والاضطرابات العاطفية التي يمكن أن يخلفها النزوح في حياتهم".

اعتمدت شرف في عملها مع الأطفال النازحين في مصر على فلفسة مونتيسوري التعليمية، التي أسستها ماريا مونتيسوري في أوائل القرن العشرين بعد عملها مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

تركز فلسفة المونتيسوري على تنمية شخصية الطفل بشكل متكامل، تشمل الجوانب النفسية والعقلية والاجتماعية والجسدية، مع تعزيز التفكير النقدي والقدرة على حل المشكلات وتنمية الإبداع.

التعلم بالتجربة 

ويتميز المنهج بالسماح للطفل بالتعلم وفق سرعته الخاصة، مع تشجيعه على اكتشاف المعرفة من خلال التجربة المباشرة، والتعلم من الأخطاء، والقيام بالأنشطة بشكل مستقل دون الاعتماد الكامل على المعلم أو البالغين.

في الفصول المونتيسورية، يجد الطفل بيئة منظمة ومجهزة بعناية، حيث تم تصميم كل عنصر في الفصل ليكون وسيلة تعليمية تفاعلية. يمكن للأطفال اختيار الأنشطة التي تتوافق مع اهتماماتهم، والعمل منفردين أو ضمن مجموعات صغيرة، ما يعزز قدرتهم على التركيز والتعاون في الوقت نفسه.

استطاعت المعلمة جهاد تطبيق هذه المبادئ بشكل عملي في مشروع "يدًا بيد" وفي برامج حقائب التعلم المنزلي، حيث أعدت بيئات تعليمية داخل الصفوف والمنازل، وجهزت الأنشطة اليومية، لمتابعة تقدم الأطفال داخل البيئة الصفية او داخل المنزل من خلال تقديم ورش عمل للأهالي لتعزيز دورهم في التعليم المنزلي ودعم التنمية العاطفية والاجتماعية للأطفال.

وكما عملت على  دمج التعلم العملي، اللعب الموجه، وتجارب الاستكشاف، مما ساعد الأطفال على تطوير مهارات الاستقلال، إدارة الوقت، وتنظيم العمل الذاتي، إضافة إلى بناء ثقتهم بأنفسهم وشعورهم بالامان وسط ظروف النزوح والمجتمع الجديد والصعوبات النفسية.

لم تكن تجربة مونتيسوري مع جهاد مجرد تعليم أكاديمي، بل وسيلة تربوية متكاملة تهدف إلى تعزيز النمو الشامل للطفل، مع التركيز على قدراته الفردية، وتهيئته للتعلم الذاتي مدى الحياة، ما يجعل منهج مونتيسوري أداة فعالة لبناء جيل من الأطفال قادرين على مواجهة التحديات بثقة واستقلالية.

تقول شرف لـ"شهاب": "عملت كموجهة تعليم في برنامج "مونتيسوري يد بيد" منذ أكتوبر 2024 وحتى فبراير 2026، هذا المشروع التعليمي متعدد الفروع يقدم فرص تعليم مونتيسوري عالية الجودة للأطفال في مراكز التعلم، ويوفر بيئة آمنة للرعاية للأطفال والعائلات الفلسطينية النازحة في مصر".

فلسفة مونتيسوري

وتتابع جهاد: " حرصت على الالتزام الكامل بفلسفة مونتيسوري، والتى أسهمت بدورها بشكل فعال في المجتمع التعليمي حيث قدمنا 500 حقيبة تعلم منزلي للأطفال الفلسطينيين النازحين في القاهرة،و ركز البرنامج على دعم الأسر الفلسطينية داخل المنزل بتجارب تعليمية نوعية وفق منهج مونتيسوري، مع الحفاظ على اللغة والهوية الفلسطينية في صميم العملية التعليمية.

وتضيف جهاد: "شملت مهامي تحليل وإدارة بيانات الأسر المستفيدة من حقائب التعلم المنزلي، وتوزيع الحقائب على الفئات العمرية المختلفة من 0 إلى 18 سنة عبر سلسلة من الورش الحضورية، بالإضافة إلى تجهيز وتركيب الحقائب للفئات الأصغر سنًا من 3 إلى 6 سنوات.

كما استضفت جلسات تثقيف للوالدين عبر الإنترنت، وبنيت علاقات ثقة مع كل أسرة من خلال التواصل المنتظم عبر واتساب والجلسات الحضورية في مكتبة ديوان، مع متابعة تقدم الأطفال وتقييمهم في رحلتهم التعليمية".

وتؤكد جهاد: "على صعيد البيئة الصفية للأطفال من 3 إلى 6 سنوات، أتقنت منهج مونتيسوري في المجالات الرئيسية: الحياة العملية، الحسية، الرياضيات، واللغة.

كما ضمنت إعداد بيئة صفية محضرة ومحافظة عليها طوال العام، مع تصميم نظام يومي ثابت وعادات منظمة لفترات الانتقال والأوقات الصفية مثل الغداء والاستراحة والقيلولة، لتعزيز التواصل والتعاون الفعال بين الأطفال. كما تابعت حضور الأطفال ونسب مشاركتهم، وحافظت على سجلات دقيقة لتقدمهم، مع التخطيط الأسبوعي للدروس بما يتوافق مع مبادئ مونتيسوري".

وتضيف: "ولم تقتصر مساهمتي على التعليم المباشر، بل شملت التطوير المهني للطاقم، حيث شاركت في برنامج القيادة التعليمية الشامل لمنتسوري يد بيد، الذي تضمن دورات مثل: دورة التهيئة AMI، التربية الكونية الإسلامية، رياضة مونتيسوري، تعليم اللغة العربية بطريقة مونتيسوري، مقدمة في الصحة النفسية والعلاج باللعب، وورش عمل في بناء الفريق، إضافة إلى دمج أهداف المنهاج الفلسطيني في الممارسات التعليمية".

وتختم جهاد حديثها بالقول: "أثبتت تجربتي التعليمية أن قدرة الأطفال على التعلم والنمو لا تتوقف أمام الصعوبات، وأن التفاني في التعليم والتنشئة المبكرة يمكن أن يكون أداة قوية لدعم الأطفال والأسرة، حتى في ظل ظروف النزوح القاسية والتحديات الاجتماعية والقانونية في مصر".

اخبار ذات صلة