تقرير - شهاب
في أطراف حي الزيتون جنوب مدينة غزة، تتزاحم الخيام في مخيم "دار السلام" بشكل يكاد يلغي أي مساحة شخصية للنازحين، إذ باتت الحياة اليومية مكشوفة بالكامل داخل أقمشة رقيقة لا تحجب صوتا ولا تحمي خصوصية.
في هذا المكان، يحاول خالد أبو السعيد، الذي خسر متجره في حي الرمال، التأقلم مع واقع جديد يستيقظ فيه على حركة المارة القريبة من فراشه، دون أي حواجز تفصل بينه وبين العالم الخارجي.
يقول أبو السعيد إن الحياة داخل المخيم تحولت إلى مساحة مشتركة بلا حدود، إذ لم تعد هناك فواصل حقيقية بين العائلات، وأصبحت تفاصيل الحياة اليومية مكشوفة للجميع.
ويؤكد أن ما يعيشه النازحون ليس مجرد أزمة مأوى، بل هو "كشف للستر" وفقدان للقدرة على الحديث بحرية داخل الخيمة، في ظل سماع كل ما يدور من قبل الجيران.
داخل هذه المساحات الضيقة، تتراكم المعاناة اليومية لعائلات فقدت منازلها التي كانت تحفظ خصوصيتها، لتجد نفسها في خيام لا تقي من العوامل الجوية ولا من نظرات الآخرين، ما خلق شعورا دائما بالضيق والخوف من فقدان الكرامة، في وقت ينتظر فيه النازحون مساعدات قد لا تصل بانتظام.
وفي مواصي خان يونس، يعيش محمود سلامة، النازح من بيت حانون، تجربة مشابهة، إذ يقيم منذ أكثر من عام في خيمة مع أطفاله الثلاثة، وسط ظروف مناخية قاسية تزيد من صعوبة الحياة.
يقول سلامة إن تفاصيل يومهم باتت مرهقة ومعقدة، مع استمرار البحث عن الحد الأدنى من مقومات العيش.
ويضيف أن الجدران القماشية لم تعد مجرد ساتر، بل تحولت إلى "آذان" تنقل أدق تفاصيل الحياة داخل الخيام، من صوت المطر المتسرب إلى الداخل، إلى الأحاديث اليومية التي لم تعد خاصة.
ويشير إلى أن غياب الخصوصية فاقم التوتر داخل الأسرة، إذ يصعب الحديث أو مواساة أفراد العائلة دون أن يكون ذلك مسموعا في الخيام المجاورة.
من جانبها، ترى الدكتورة سماح جبر، رئيسة وحدة الصحة النفسية بوزارة الصحة، أن ما يجري في مخيمات النزوح يتجاوز فقدان المسكن إلى تأثيرات نفسية عميقة تمس كرامة الإنسان، موضحة أن البيت في علم النفس الاجتماعي يمثل "الجلد الثاني" الذي يمنح الإنسان الشعور بالأمان والانفصال عن الخارج.
وتقول "البيت هو الجلد الثاني للإنسان، وحين يتمزق ويتحول إلى قطعة قماش، يصبح الإنسان مكشوفا تماما أمام أعين وأسماع الآخرين."
وتضيف أن هذا التحول يضع النازحين في حالة من "العُري الاجتماعي"، حيث يتعرضون باستمرار لتقلبات الطقس وانكشاف حياتهم أمام الآخرين، ما يسبب حالة دائمة من القلق واستنزاف الطاقة النفسية.
وتبرز معاناة النساء بشكل خاص داخل هذه البيئة، إذ تضطر الكثيرات للبقاء بكامل ملابسهن طوال الوقت خشية انكشاف الخيمة، ما يحرمهن من الشعور بالراحة داخل مساحة يُفترض أن تكون خاصة.
كما يعاني الرجال من شعور بالعجز نتيجة عدم قدرتهم على حماية خصوصية أسرهم، الأمر الذي ينعكس سلبا على استقرار العلاقات داخل الأسرة.
أما الأطفال، فهم من أكثر الفئات تأثرا، إذ يُحرمون من مساحتهم الخاصة ومن حقهم في العيش بعيدا عن ضغوط الكبار، ما يدفعهم إلى ما تصفه جبر بـ"بلوغ قسري" يترك آثارا نفسية طويلة الأمد.
ويحذر مختصون من أن غياب الخصوصية داخل مخيمات النزوح يحول الحياة إلى حالة من التوتر المستمر، ويزيد من احتمالات العنف الأسري والمشاحنات اليومية، فالحاجة إلى العزلة والهدوء جزء أساسي من التوازن النفسي، وغيابها يحول الخيام إلى ما يشبه "السجون القماشية" التي تستنزف الإنسان نفسيا.