في تطور يعكس تحولات لافتة داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، برزت استقالة مسؤول رفيع في جهاز مكافحة الإرهاب كحدث يتجاوز طابعه الإداري، ليفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول تماسك الرواية الأمريكية في سياق التصعيد مع إيران.
ويرى المحلل السياسي وسام عفيفة أن هذه الاستقالة لا يمكن فصلها عن سياق سياسي وأمني أكثر تعقيدًا، مشيرًا إلى أن "خروج مسؤول بهذا المستوى، مقرونًا بتصريحات تنفي وجود تهديد وشيك، يكشف عن بداية تصدع حقيقي داخل السردية التي تم تسويقها لتبرير مسار التصعيد".
ويضيف أن خطورة هذه التصريحات تكمن في صدورها من داخل المؤسسة نفسها، لا من أطراف معارضة خارجها، ما يمنحها وزنًا مضاعفًا في تقييم المشهد.
ويشير عفيفة إلى أن استحضار تجربة حرب العراق في هذا التوقيت ليس أمرًا عابرًا، بل يعكس مخاوف متزايدة من إعادة إنتاج نفس النموذج القائم على تضخيم التهديدات وبناء قرارات استراتيجية كبرى على تقديرات قابلة للتشكيك. ويؤكد أن "الذاكرة الأمريكية لا تزال مثقلة بتبعات تلك الحرب، ما يجعل أي إشارات مشابهة اليوم أكثر حساسية وتأثيرًا على الرأي العام وصنّاع القرار".
وفي سياق متصل، يلفت عفيفة إلى أن هذا التطور يضع إسرائيل في قلب الجدل الدائر داخل واشنطن، موضحًا أن "الحديث عن ضغوط إسرائيلية ولوبيات مؤثرة لم يعد مقتصرًا على التحليلات السياسية، بل بات يُطرح من داخل المؤسسات، وهو ما يفتح نقاشًا غير مسبوق حول حدود التأثير الخارجي في توجيه القرار الأمريكي، خاصة في قضايا الحرب".
كما يرى أن الاستقالة تكشف عن احتكاك متصاعد داخل تيار "أمريكا أولًا"، الذي شكّل أحد أعمدة الخطاب السياسي للرئيس دونالد ترامب. ويقول إن "هذا التيار قام أساسًا على تقليص الانخراط في حروب الشرق الأوسط، لكن ما يجري اليوم يعكس تناقضًا واضحًا بين الشعار والممارسة، وهو ما قد يضع الإدارة أمام ضغوط داخلية متزايدة لتبرير خياراتها".
ويحذر عفيفة من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى انتقال الجدل من النخب الأمنية إلى مستويات أوسع داخل الكونغرس والرأي العام، ما قد يقيّد هامش المناورة أمام الإدارة الأمريكية، ويحول ملف الحرب من مسار شبه محسوم إلى قضية مفتوحة للنقاش والمراجعة.
ويخلص إلى أن "ما نشهده اليوم ليس مجرد استقالة، بل مؤشر على بداية تشكل رواية مضادة من داخل النظام الأمريكي نفسه، وهذه من أخطر المراحل في أي مسار تصعيدي، لأنها لا تضعف فقط مبررات الحرب، بل تهدد أيضًا تماسك القرار السياسي الذي يقف خلفها”".