مع اقتراب الحرب في الشرق الأوسط من أسبوعها الثالث، تتبدد آمال المستثمرين بالتوصل إلى حل سريع، لتحل محلها مخاوف متصاعدة من صراع طويل الأمد قد يهدد سلاسل الإمداد العالمية ويزيد الضغوط على الأسواق المالية.
وفي هذا السياق، واصلت الأسهم الأميركية تراجعها لليوم الثالث على التوالي، في وقت يترقب فيه المستثمرون انتهاء صلاحية خيارات مالية تُقدّر بنحو 5.7 تريليونات دولار، في حدث يُعرف بـ"الثلاثي السحري"، وهو ما يتزامن مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات جديدة تعزز المخاوف من الدخول في حالة ركود تضخمي.
وبحسب ما أوردته وكالة "بلومبيرغ"، فقد انخفض مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بنسبة 0.9% بحلول الساعة 11:51 صباحاً بتوقيت نيويورك، متجهاً نحو تسجيل رابع خسارة أسبوعية على التوالي، وهي أطول سلسلة خسائر يشهدها منذ عام. وكان قطاع الطاقة الوحيد الذي سجل مكاسب خلال التداولات، في حين تصدر قطاعا السلع التقديرية والتكنولوجيا قائمة الخاسرين، حيث تراجع مؤشر "ناسداك 100" بنسبة 1% متأثراً بانخفاض أسهم شركات كبرى مثل "إنفيديا" و"ميكرون تكنولوجي".
في المقابل، ارتفعت أسعار خام برنت إلى نحو 109 دولارات للبرميل، بينما صعد مؤشر التقلب في الأسواق (VIX) إلى قرابة 26 نقطة، في دلالة على تزايد حالة القلق بين المستثمرين.
ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، بدأت الأسواق تستوعب بشكل أكبر سيناريو استمرار الصراع لفترة طويلة، خاصة في ظل تقارير تحدثت عن قيام الولايات المتحدة بإرسال ثلاث سفن حربية إضافية وآلاف من مشاة البحرية إلى الشرق الأوسط، في مؤشر على أن التوصل إلى وقف إطلاق نار لا يبدو وشيكاً.
ويترقب المتعاملون في الأسواق ما إذا كانت الحرب ستنتهي خلال أربعة أسابيع، وهو الإطار الزمني الذي كان قد أشار إليه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في بداية التصعيد، إلا أن محللين يرون أن استمرارها سيؤدي إلى اضطرابات ممتدة في سلاسل الإمداد قد تتحول إلى مشكلة هيكلية طويلة الأمد.
وفي تعليق على ذلك، قال أوهسونغ كوون، كبير استراتيجيي الأسهم في "ويلز فارغو"، إن "الأسواق ستصبح أكثر توتراً مع تزايد احتمالات الحرب المطولة، ما سيؤدي إلى اضطرابات أطول في سلاسل الإمداد وتحولها إلى أزمة هيكلية".
وفي تطور يزيد من تعقيد المشهد، شهدت الأسواق يوم الجمعة انتهاء صلاحية عقود مالية ضخمة بقيمة 5.7 تريليونات دولار، تشمل خيارات مرتبطة بأسهم فردية ومؤشرات وصناديق متداولة، وذلك ضمن حدث "الثلاثي السحري" الذي يحدث بشكل ربع سنوي، ويُعرف بتأثيره الكبير على تقلبات الأسواق نتيجة تزامن انتهاء كميات ضخمة من المشتقات المالية في وقت واحد. وتشير بيانات "سيتي غروب" إلى أن حصة شهر مارس تُعد من بين الأكبر منذ عام 1996.
ونقلت "بلومبيرغ" عن سمير سامانا، رئيس الأسهم العالمية والأصول الحقيقية في معهد "ويلز فارغو للاستثمار"، قوله إن "الاختبار الحقيقي سيكون عند إغلاق الأسواق قبل عطلة نهاية الأسبوع، حيث ستتضح توجهات المستثمرين بشكل أكبر".
وعلى الصعيد الفني، أنهى مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" تداولات يوم الخميس دون متوسطه المتحرك لـ200 يوم، وهو مستوى فني مهم يعكس الاتجاه العام للسوق على المدى المتوسط والطويل. وفي هذا الإطار، قال مارك هاكيت، كبير استراتيجيي السوق في "ناشن وايد"، إن "الاختراق دون المتوسط المتحرك لـ200 يوم يستحق المتابعة، ليس فقط لحركة يوم واحد، بل لما قد يحمله من دلالات خلال الأسابيع المقبلة".
في موازاة ذلك، بدأت الثقة بين المستثمرين العالميين بالتآكل، وفقاً لمكتب تداول "غولدمان ساكس"، حيث أبدى العملاء الذين كانوا يراهنون على حل سريع للحرب شكوكاً متزايدة، خاصة مع استمرار إيران في شن هجمات على دول خليجية، حتى بعد إشارات إسرائيلية إلى تجنب استهداف البنية التحتية للطاقة الإيرانية. كما أشار موقع "أكسيوس" إلى أن الولايات المتحدة تدرس خططاً للسيطرة على جزيرة إيرانية تُعد موقعاً رئيسياً لتصدير النفط، بهدف الضغط على طهران لإعادة فتح مضيق هرمز.
وتبقى أسعار النفط العامل الأكثر تأثيراً في الأسواق، نظراً لارتباطها المباشر بمعدلات التضخم ومعنويات المستهلكين. وفي هذا السياق، أشار محللون في "باركليز"، بقيادة إيمانويل كاو، إلى أن منحنيات العقود الآجلة للنفط بدأت تعكس تسعير الأسواق لسيناريو بقاء الأسعار مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يعزز المخاوف من الركود التضخمي.
وفي ما يتعلق بالسياسة النقدية، أكد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، أن البنك المركزي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة قبل التأكد من تراجع التضخم، مشيراً إلى أنه من المبكر تقييم التأثير الكامل لارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الأميركي. كما قرر الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة للاجتماع الثاني على التوالي.
وفي السياق ذاته، قالت ديبورا كننغهام، كبيرة مسؤولي الاستثمار للأسواق العالمية للسيولة في "فيدريتد هيرميس"، إن "الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير يُعد الخيار الأنسب في الوقت الحالي، خاصة أن تداعيات الصراع لا ترقى حتى الآن إلى مستوى الأزمات الكبرى مثل جائحة كورونا أو الأزمة المالية العالمية في 2008، التي استدعت خفضاً كبيراً في أسعار الفائدة".
وعلى صعيد أداء الشركات، شهدت الأسواق تحركات متباينة، حيث تراجعت أسهم شركات الخدمات اللوجستية مثل "يونايتد بارسيل" و"سي إتش روبنسون"، في حين ارتفع سهم "فيدكس" بعد إعلان الشركة تحقيق تقدم في خطتها لإعادة هيكلة شبكة التوصيل ورفع توقعاتها للأرباح السنوية.
كما تراجعت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى المعروفة بـ"السبع الرائعة"، متجهة نحو تسجيل خسائر أسبوعية رابعة على التوالي، بقيادة "ميتا بلاتفورمز" و"ألفابت"، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية.
وفي قطاع الطاقة، ارتفعت أسهم شركات مثل "كريسنت إنرجي" و"إس إم إنرجي"، بعد أن قام بنك "جيه بي مورغان" برفع تصنيفها، مشيراً إلى أن الحرب أضافت علاوة مخاطر جيوسياسية على أسعار النفط.
أما في قطاع التكنولوجيا، فقد ارتفع سهم "ديل تكنولوجيز"، في حين تراجع سهم "سوبر مايكرو كومبيوتر" بنسبة وصلت إلى 29%، بعد اتهام ثلاثة أشخاص مرتبطين بالشركة، من بينهم أحد مؤسسيها، بالتآمر لانتهاك قوانين مراقبة الصادرات، وفقاً لما أعلنه مكتب المدعي العام الأميركي.
وفي قطاع الأسمدة، تراجعت أسهم "موزاييك" و"نوتريان" المدرجة في تورونتو، بعد أن خفّض "بنك أوف أميركا" توصيته لسهم "موزاييك" من "شراء" إلى "حيادي"، في ظل ارتفاع تكاليف المواد الخام نتيجة تداعيات الحرب.
وتعكس هذه التطورات مجتمعة حالة من التوتر وعدم اليقين التي تهيمن على الأسواق العالمية، في ظل استمرار الحرب دون أفق واضح للحل، وما تحمله من تداعيات اقتصادية قد تمتد آثارها إلى المدى الطويل.