تقرير/ شهاب
لم تعد المدارس الفلسطينية مجرد مؤسسات تعليمية، بل تحوّلت إلى خطوط تماس مفتوحة، تتقاطع فوقها العمليات العسكرية الإسرائيلية، وسياسات التضييق، وتدمير البنى التحتية، لتعيد رسم واقع تعليمي محفوف بالخطر، وتضع مستقبل جيل كامل على المحك.
و تشهد الضفة الغربية اقتحامات متكررة ويومية للمدارس من قبل المستوطنين وجنود الاحتلال، في نمط متواصل يوحي بسياسة دائمة تهدف إلى ترهيب الأهالي وإضعاف جذور المجتمع الفلسطيني في هذه المناطق.
ولا يقتصر الضرر على المباني والمرافق التعليمية، بل يمتد ليشمل العملية التعليمية بأكملها، ويترك أثارًا نفسية على الطلبة والمعلمين، ويزرع شعورًا بالخوف والقلق بين الأهالي.
قبل يومين، اقتحم المستوطنون مدرسة عرب المالح في الأغوار الشمالية، حيث تخطّت أعمال التخريب الحدود، وتم تدمير محتويات الفصول والمكاتب الإدارية بالكامل، بالإضافة إلى تعطيل شبكة المياه والكهرباء داخل المدرسة.
إغلاق جميع الطرق
في حادثة اخري اقتحم المستوطنون مدرسة حوارة الثانوية للبنين الواقعة على الشارع الرئيس للبلدة، وأنزلوا العلم الفلسطيني من سارية المدرسة، ورفعوا العلم الإسرائيلي، وكتبوا عبارات باللغة العبرية، من بينها "الموت للعرب".
أما المدرسة الإبراهيمية القريبة من الحرم الإبراهيمي، التي كانت وجهة لعشرات الطلبة من أحياء مثل أبو الريش والسلايمة، فقد أصبحت شبه معزولة بعد إغلاق جميع الطرق المؤدية إليها، ما حرم نحو 50% من طلبتها من الالتحاق بها.
ولم تسلم مدرسة ياسر عمرو الثانوية للبنات في ذات المدينة من هذه الظروف، إذ افتتحت عامها الدراسي 2025–2026، وهي أشبه بثكنة عسكرية، يطوّقها الاحتلال بالأسلاك الشائكة، وتُوضع بوابة حديدية عند مداخلها.
وكشف تقرير صادر عن الحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبرتهايد الإسرائيلي، بعنوان "التعليم تحت النار"، حجم الانتهاكات الممنهجة التي تطال حق التعليم في الضفة الغربية، في خرق صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني، مثل اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تُلزم قوة الاحتلال بحماية المدنيين والأعيان المدنية، إلى جانب العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يكفل الحق في التعليم.
يرصد التقرير واقعًا تعليميًا مثقلًا بالاقتحامات والاعتداءات المتكررة، حيث يواجه آلاف الطلبة يوميًا بيئة تعليمية غير مستقرة، في ظل الحواجز العسكرية والتدخلات الميدانية.
ووفق بيانات وزارة التربية والتعليم، تعرّضت 152 مدرسة لاقتحامات أو أعمال تخريب خلال العامين الأخيرين، فيما خرجت 28 مدرسة من الخدمة التعليمية نتيجة تهجير التجمعات التي كانت تخدمها.
وتُظهر الشهادات الميدانية أن هذه الاقتحامات لا تقتصر على التخريب، بل تمتد إلى مداهمة المدارس أثناء الدوام، وإطلاق قنابل الغاز داخل الفصول، ما يخلّف حالات اختناق وذعر بين الطلبة، ويؤثر بشكل مباشر على سير العملية التعليمية.
تهديدًا حقيقيًا
ويحذر التقرير من الآثار بعيدة المدى لهذه الانتهاكات، مؤكدًا أنها لا تقتصر على تعطيل الدراسة، بل تمتد لتشكّل تهديدًا حقيقيًا لمستقبل جيل كامل. فعلى المستوى التربوي، يؤدي هذا الواقع إلى فقدان سنوات دراسية وارتفاع احتمالات الأمية، فيما تتفاقم على الصعيد النفسي اضطرابات ما بعد الصدمة، وتتراجع قدرة الطلبة على التركيز والتعلّم.
ويخلص التقرير إلى أن واقع التعليم في الأراضي الفلسطينية المحتلة يواجه تحديات غير مسبوقة، في ظل استمرار الاقتحامات واعتقال الطلبة وإغلاق المؤسسات التعليمية.
من جانبه، يصف صادق الخضور، الناطق باسم وزارة التربية والتعليم، هذا العام بأنه من أسوأ الأعوام التي مرّت على طلبة الضفة الغربية، ولا سيما في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس.
ويشير إلى أن الاحتلال قتل خلال هذا العام أكثر من 60 طالبًا وطالبة، واعتقل ما لا يقل عن 200 طالب، خلال اقتحاماته التي طالت غالبية مدن ومناطق ومخيمات الضفة الغربية.
ومنذ بدء الإبادة في قطاع غزة، ينتهج الاحتلال سياسة "إبادة صامتة" في الضفة الغربية، يتصل جزء كبير منها بالتعليم.
إذ تواجه 85 مدرسة في الضفة الغربية والقدس أوامر هدم أو وقف بناء لا تزال قيد التنفيذ، من بينها 55 مدرسة مهددة بالهدم الكلي، و30 مدرسة مهددة بهدم أجزاء أو مرافق تابعة لها.
ويتبيّن أن ذلك يهدد بشكل مباشر تعليم أكثر من 13 ألف طالب وطالبة، يشرف على تعليمهم نحو 1089 معلمًا ومعلمة.
كما تتعرض مدارس عديدة في التجمعات الواقعة في المنطقة (ج) لمخاطر جسيمة نتيجة التهجير القسري، حتى في الحالات التي لا توجد فيها أوامر هدم رسمية.
ويضيف أن هذه الانتهاكات لا تقتصر على هدم المدارس القائمة أو قيد الإنشاء، بل تمتد إلى أساليب أخرى في استهداف التعليم. ففي البلدة القديمة بمدينة الخليل، حوّل الاحتلال مدارس إلى ثكنات عسكرية، يتعرض فيها الطلبة يوميًا للتنكيل والتفتيش والتحرش والضرب من قبل المستوطنين وجيش الاحتلال.
ويستطرد أن الاقتحامات المتكررة للاحتلال أثرت بشكل كبير على انتظام العملية التعليمية، ما انعكس سلبًا على التعليم عمومًا، منوّهًا أن الاحتلال أعاق، ولا يزال، تنقل آلاف الطلبة والمعلمين للوصول إلى مدارسهم، خاصة في البلدة القديمة بالخليل ومدارس أريحا وطوباس، حيث يضطرون إلى عبور نحو ثلاثة حواجز يوميًا، وقد مُنعوا أكثر من 13 مرة خلال العام الدراسي الحالي من الوصول إلى مدارسهم.
ساحة مفتوحة للاستهداف.
ويشير الخضور إلى استهداف الاحتلال المباشر للمدارس واقتحامها، كما حدث في مدارس نابلس، والساوية، والريف الشرقي في بيت لحم، ومسافر يطا جنوبي الخليل، علاوة على وجود أكثر من 900 حاجز وبوابة عسكرية تقطع أوصال الضفة الغربية، وتعزل مناطقها عن بعضها، مما يؤثر بشكل مباشر على قدرة الفلسطينيين، بمن فيهم الطلبة والمعلمون، على الوصول إلى مدارسهم، في واقع تعليمي بات هو الآخر ساحة مفتوحة للاستهداف.
لم تعد المدارس في الأراضي الفلسطينية مجرد فضاءات للتعلم، بل تحوّلت إلى ساحات مفتوحة على التهديد اليومي، حيث يلاحق الخوف الطلبة بين الصفوف كما يلاحقهم على الحواجز. وبين مدرسة تُغلق وأخرى تتعرض للاقتحام أو الحصار، تتراجع قدرة العملية التعليمية على الاستمرار بشكل طبيعي، ويُدفع الطلاب قسرًا إلى واقع يختلط فيه التعليم بعدم الأمان.