قائمة الموقع

تقرير عندما ينهش فأر وجه رضيع غزي هذا ليس خبرًا يستدعي التحرك!

2026-03-28T12:39:00+03:00
الرضيع آدم الأستاذ
وكالة شهاب

تقرير /شهاب

يتقاسم النازحون في الخيام والسكان داخل البيوت المدمرة مساحاتهم الضيقة مع أسراب من القوارض والحشرات بفعل تراكم القمامة والمخلفات، نتيجة انعدام الوقود والموصلات التي تمكن الخدمات البلدية من نقلها إلى خارج المدينة أو بعيد عن الأماكن المكتظة بالنازحين والسكان.

هذه الكائنات الصغيرة، التي قد تبدو غير مؤذية للوهلة الأولى، تتلف الخيام والطعام والملابس والأغطية، وتحولت إلى خطر دائم يهدد الحياة اليومية. فبين الفينة والأخرى، تطفو إلى سطح الكارثة المتراكمة والمتفاقمة حوادث هجوم هذه القوارض على سكان الخيام، في تهديد واضح لحياة النازحين.

لا يسمع ولا يحرك ساكنًا

ومع كل هجوم جديد لهذه القوارض، يرن ناقوس الخطر في وسائل الإعلام، وتتصاعد الدعوات والمناشدات إلى المنظمات الدولية والمجتمع العالمي. ومع ذلك، يظل صدى هذه التحذيرات صامتًا في مواجهة عالم متواطئ بالصمت، لا يسمع ولا يحرك ساكنًا، تاركًا الأهالي لمواجهة الخطر اليومي وسط ظروف غزية قاسية.

في كل مرة ينهش فيها الفئران وجنة طفل، تتضح الحقيقة المرة: أن الأزمة في غزة ليست مجرد نقص في الغذاء أو السكن، بل كارثة إنسانية متواصلة، حيث يصبح البقاء على قيد الحياة تحديًا يوميًا في مواجهة خطر يبدو صغيرًا لكنه قاتل، لا سيما بالنسبة لمن لا مأوى لهم سوى خيمة لا تصلح للحياة.

وتسجل حادثة الرضيع آدم الأستاذ، الذي لم يتجاوز عمره 28 يومًا، واحدة من الحوادث اليومية التي جاءت لتذكّر العالم بحجم الكارثة الإنسانية في غزة، حيث استيقظت العائلة على صراخ الرضيع جراء تعرضه لعضة "فأر" كبير داخل خيمة عائلته في منطقة المقوسي غرب غزة.

ويقول والده يوسف الأستاذ: "إن شدة الصراخ المفزعة أيقظتني من نومي، هو وكل الخيام المجاورة، لأجد وجه طفلي الرضيع مغطى بالدماء جراء أن عضّه 'فأر كبير' على خد الطفل".

يصف والد الرضيع اللحظات الأولى بعد الحادث قائلاً: "استيقظت قرابة الساعة الواحدة ليلاً على صراخ الرضيع، وعندما اقتربت رأيت الدم يغطي وجهه، والجرذ يهرب من الخيمة. لم أفكر في شيء، حملته فورًا إلى المستشفى حيث يخضع للمراقبة الطبية، بعد أن نجا من إصابة كان من الممكن أن تترك آثارًا دائمة وقاتلة".

هذه الحادثة ليست حالة معزولة عن الواقع، بل صورة مصغرة لحوادث يومية ومعاناة مئات آلاف الأطفال في خيام النزوح، الذين يواجهون تهديدات مستمرة من القوارض والحشرات، وسط حياة تفتقر لأبسط مقومات الأمان والحماية.

مع كل هجوم جديد على الأطفال، تُرفع مناشدات عاجلة عبر وسائل الإعلام، وتُطلق دعوات للمنظمات الدولية للتدخل، إلا أن صدى هذه التحذيرات غالبًا ما يظل بلا استجابة، في ظل واقع إنساني مأساوي مستمر، حيث تصبح حماية الأطفال وأمنهم اليومي تحديًا كبيرًا لا تحله سوى إجراءات عاجلة ومستدامة.

في هذا السياق، يؤكد خبير العلاقات الدولية صلاح عبد العاطي أن ما جرى مع الطفل آدم ليس حادثة منفصلة، بل جرس إنذار يتكرر في غزة، ويكاد أن يتحول إلى ضجيج معتاد لا يوقظ أحدًا.

ويرى عبد العاطي أن الصمت الدولي تجاه الكارثة الإنسانية في القطاع لم يعد مجرد تقصير أو تخاذل، بل بات نمطًا مستقرًا من التعايش مع المأساة.

ويشير الخبير إلى أنه في كل مرة تُنهش طفولةٌ ما—بفعل الجوع، القصف، المرض، أو حتى القوارض—يتكرر المشهد ذاته: موجة تعاطف إعلامي عابرة، بيانات قلق دبلوماسية باهتة، ثم عودة سريعة إلى جدول الأعمال الدولي وكأن شيئًا لم يكن.

"تطبيع للكارثة"

ويؤكد أن المشكلة لم تعد في نقص المعرفة، فالعالم يرى ويسمع. الصور والشهادات والتقارير اليومية والحقوقية تجعل من المستحيل الادعاء بالجهل.

ويضيف عبد العاطي أن ما يحدث هو "تطبيع للكارثة"، وتطبيع مع الإبادة الجماعية، حيث تتحول المأساة من حدث صادم إلى رقم في نشرة، ومن جريمة تستوجب المساءلة إلى خبر عابر في شريط عاجل.

ويشير إلى أن القوارض لم تعد مجرد ظاهرة بيئية في غزة، بل نتيجة مباشرة لانهيار منظومة الحياة: تكدس النفايات، انعدام خدمات الصرف الصحي، تدمير البنية التحتية، وانقطاع الموارد الأساسية. لذلك، فإن نهش طفل ليس حادثًا طبيعيًا، بل عرض صارخ لمرض أكبر اسمه الكارثة الإنسانية والحصار والتدمير الممنهج.

ويحذر عبد العاطي من أن هذا الصمت يمنح شعورًا ضمنيًا بالإفلات من العقاب. حين لا تقترن الإدانات بإجراءات، ولا تتحول التقارير إلى مساءلة، فإن الرسالة التي تصل للضحايا هي أن حياتهم أقل قيمة في ميزان السياسة الدولية.

ويصف الخبير ما يحدث بأنه انزلاق أخلاقي عميق: من الغضب إلى التعايش، ومن التعايش إلى اللامبالاة. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية—ليس فقط في ما يجري على الأرض، بل في ما يتآكل في ضمير العالم. ويختتم قائلاً: ربما لم يعد السؤال لماذا يصمت العالم، بل كيف أصبح هذا الصمت ممكنًا، ومستدامًا، ومقبولًا؟

من جانبها، تقول وفاء الطويل، أم لخمسة أطفال: "تتسلل الفئران إلى خيمتنا من كل صوب وحدب بسبب تراكم النفايات والاعتماد في كل أرجاء مدينة غزة. في البداية كانت مجرد زائر غير مرحب به، يلتهمون بعض الطعام ويعبثون بالمتعلقات الشخصية، ونحاول مكافحتها بطرق بدائية".

وتضيف: "مع مرور الوقت، لم تعد القوارض تكتفي بالتخريب، بل بدأت تعضّ الأطفال أثناء النوم، وتطور توحشها ليصبح شيئًا ملموسًا. إذ نواجه بشكل يومي حوادث داخل المخيم لأطفال عضتهم هذه القوارض، منوهة أن جميع النساء في المخيم يقضين ليلهن في رعب متواصل خوفًا من أن تتمكن هذه القوارض من إصابة صغارهم، سيما وأن الأحاديث تدور على أن هذه القوارض تنقل أمراضًا قاتلة".

يشكل تراكم النفايات الصلبة في شوارع مخيمات ومدن قطاع غزة السبب الرئيسي لانتشار القوارض والفئران في كل مكان، حيث تتحول أكوام القمامة المتكدسة إلى مأوى وغذاء لهذه الكائنات، خاصة مع توقف خدمات جمع النفايات، مما يضاعف المخاطر الصحية ويجعل حياة النازحين والسكان أكثر هشاشة، إذ تتسرب القوارض إلى الخيام والمنازل.

من جانبه، يحذر أحمد الصوفي، رئيس مجلس الخدمات المشترك لإدارة النفايات الصلبة في محافظات خانيونس ورفح والمنطقة الوسطى، من أزمة بيئية وصحية وشيكة قد تهدد حياة مئات آلاف المواطنين والنازحين في القطاع، نتيجة التكدس غير المسبوق للنفايات وانهيار قدرات الجهات المسؤولة على التعامل معها.

ويوضح الصوفي أن نحو مليون كوب من النفايات الصلبة تراكمت منذ بداية الحرب، فيما تجمع الطواقم يوميًا حوالي 1400 كوب إضافي، ما يزيد الوضع سوءًا بشكل سريع.

نداءً عاجلاً

ويضيف أن المكبات المؤقتة في خانيونس ودير البلح والنصيرات شارفت على الوصول إلى طاقتها القصوى، محذرًا من أن التكدس الكامل قد يحدث خلال أسابيع قليلة في حال استمرار الأزمة دون تدخل عاجل.

ويشير إلى أن الوضع يتفاقم بفعل نقص حاد في قطع غيار الآليات، خاصة البطاريات والزيوت والإطارات، إلى جانب منع إدخال المعدات الثقيلة الضرورية للعمل داخل المكبات، مما يحول دون إدارة سليمة للنفايات.

يؤكد أن طبيعة المنطقة، مع قرب المياه الجوفية من سطح الأرض، تجعلها غير مناسبة لتكديس المخلفات، في حين أن المكب الصحي المنظم في "صوفا"، الذي يمتد على مساحة 300 دونم، كان من المفترض أن يكون الحل الأمثل للتخلص من النفايات بشكل آمن.

وأكد الصوفي أن العائق الأكبر هو استمرار منع الاحتلال وصول الشاحنات والمعدات إلى مكب "صوفا"، رغم مطالبات متكررة للجهات الدولية، بما فيها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، لإيجاد حل عاجل. وأوضح أن المجلس يمتلك الكوادر البشرية اللازمة للعمل، إلا أن غياب الطرق الآمنة ونقص المعدات أدى إلى شلل شبه كامل، خاصة بعد تدمير معظم الآليات مع بداية الحرب.

وينوه أن المجلس أرسل نداءً عاجلاً للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية للتحذير من "الاختناق البيئي"، في ظل وجود أكثر من 1.5 مليون نازح يعيشون في أقل من 40% من مساحة القطاع، بعد عمليات التهجير القسري والتوسع العسكري.

لن تتوقف معاناة غزة، وإذا لم يتم كسر هذا النمط القاتل من الصمت الدولي والتجاهل عبر ضغط حقيقي على الجهات المسؤولة، ومساءلة فعلية للاحتلال، ستبقى قصص الأطفال والنازحين تتكرر بلا توقف، وستتحول إلى جزء مؤلم من الروتين اليومي لمأساة إنسانية مستمرة.

اخبار ذات صلة